المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسول هذه الامة في سطوووووور


بلحـ(king)ـارث
11-20-2007, 02:01 PM
البيت العتيق

كانت مكة عندما أتي إليها سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام مع ابنه إسماعيل وأمه هاجر ، أرضا قاحلة لا ماء فيها ولا زرع ، حيث ترك إبراهيم عليه السلام ، زوجته هاجر مع وليدها إسماعيل في تلك الأرض القاحلة ، استجابة لأمر الله عز وجل ، وفارقهما ودموع الحزن تذرف من عينه ، حيث التجأ إلى مكان لا يرونه فيه قائلا

ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون 1

جلست هاجر مع وليدها إسماعيل ، ترضعه وتشرب مما بقي من الماء ، حتى إذا نفد ، عطشت وعطش ابنها ، فجعلت تسعى بين الصفا والمروة {2} علها تجد أحدا وفعلت ذلك سبع مرات عادت بعدها يائسة حزينة كئيبة ، وهي ترى ابنها يذوي كوردة ندية لكن الله عز وجل أغاثها وأغاث ابنها ، عندما انفجر نبع ماء بالقرب منها ، فجعلت تزم الماء {3} وتحوضه ، فشربت وشرب ابنها ، وأرسل الله عز وجل قوما {4} يأنسون إليها وتأنس إليهم ، إلى أن شب إسماعيل عليه السلام ، وتزوج من هؤلاء القوم بامرأتين ، الأولى: كانت عاقة ، فأمره أبوه إبراهيم عليه السلام أن يطلقها بعد أن زراه وأطمأن على أحواله ، والثانية كانت بارة وفية مخلصة ، فأمره أبوه أن يحافظ عليها وبوحى من الله عز وجل ، بنى إبراهيم عليه السلام وإسماعيل البيت العتيق فكان أول مسجد وضع للناس ببكة ، يعبدون الله عز وجل فيه ، ويطوفون حوله ، ويسعون بين الصفا والمروة ، ووقف إبراهيم عليه السلام ، بعد أن تم بناء البيت ، يدعو ربه قائلا

وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمه مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم 5

واستجاب الله عز وجل لدعاء إبراهيم عليه السلام ، فبعث في أهل مكة نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، رسول الرحمة ، ختم به أنبياءه ورسله ، وأكمل له الدين ما لم يؤت أحدا قبله وعمت دعوته أهل الأرض ، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم ، وكان هذا لفضله عليه الصلاة والسلام ، ولشرفه في نفسه وقومه ، وشرف أرضه التي بعث بها ، وفصاحة لغته ولطفه ورحمته ، وكريم أصله وعظيم مولده وقدره


--------------------------------------------------------------------------------



عام الفيل

أستبد أبرهة الحبشي ، بأمارة اليمين ونصب نفسه أميرا عليها ، بعد أن عصى أوامر ملكه النجاشي ، ملك الحبشة الذي كان يدين بالنصرانية . وأراد أبرهة أن يرضي النجاشي ليصفح عنه زلته ، فبنى كنيسة فائقة الحسن والجال ، لم ير مثلها في يومها ، وكتب أبرهة إلى النجاشي يعلمه: أني بنيت لك كنيسة ، ولن تهدأ نفسي ، ويستقر حالي ، حتى أصرف أنظار العرب عن الحج إلى البيت العتيق ، إلى الحج لكنيسة "القليس" {1} ولما علم العرب بنوايا أبرهة غضبوا ، فدفعت الحمية رجلا من كنانة ، فخرج حتى أتى الكنيسة وأحدث {2} فيها . ثم أخبر أبرهة بما فعل العربي فغضب غضبا شديدا وقال: والله لأسيرن إلى البيت العتيق حتى أهدمه ثم أمر قواده وجنوده أن يتهيؤوا ، استعدادا لهدم البيت العتيق ، وسار أبرهة في مقدمة الجيش الكبير الذي يتقدمه فيل ضخم ، ولما سمعت العرب بذلك ورأت هذا الجيش الجرار الذي يتقدمه فيل ، هابوا {3} لقاءه ، وفزعوا من مرأى الفيل ، إلا أنهم رأوا أن جهاده حق عليهم ، عندما سمعوا بأن أبرهة يريد هدم كعبتهم ، بيت الله الحرام ، لكن محاولات العرب في صد أبرهة ، باءت بالفشل ، إذ انتصر عليهم ، وبات الطريق أمامه مفتوحا إلى مكة المكرمة ، وما إن وصل إلى مشارفها ، حتى بعث من أتى له بأموال وبعير أهل قريش ، وكان منها مئتا بعير لعبد المطلب بن هاشم ، جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان إذ ذاك سيد قريش وزعيمها وبعث أبرهة رسولا إلى عبد المطلب ، ليخبره أنه لم يأت لحرب قريش ، إنما جاء لهدم الكعبة فإن أراد عبد المطلب الحرب ، فالويل له ، وإن لم يرد ذلك فليأت إليه وأعلم عبد المطلب هذا الرسول ، أن قريشا لا تريد الحرب ، وأنها لا طاقة لها على القتال ، فهذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم ، فللبيت رب يحميه وانطلق عبد المطلب إلى أبرهة حيث استقبله استقبالا حافلا وأجلسه إلى جانبه ثم سأله أن يطلب ما يشاء . فقال عبد المطلب حاجتي أيها الملك ، أن ترد علي البعير التي أخذتها . فقال أبرهة متعجبا: والله إنك قد أعجبتي حين رأيتك ، فلما كلمتني بشأن البعير ، انتقصت من قدرك ، أتكلمني بمئتي بعير ، وتترك البيت الذي هو دين آبائك وأجدادك ؟ فقال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل ، أما البيت فله رب سيمنعك عنه ، ثم عاد عبد المطلب إلى قومه ، وأمرهم بالخروج إلى شعاب {4} مكة وجبالها وفي الصباح توجه أبرهة إلى مكة ، يريد هدم البيت ، لكن الفيل الذي كان يتقدم الجيش ، أحجم عن التقدم رغم ضربه ونهره ، فإن وجهوه نحو اليمين هرول، وإن وجهوه نحو الكعبة أحجم وتراجع ، عندئذ لقي ابرهة وجيشه جزاءه العادل ، عندما أرسل الله عز وجل طيورا ، تحمل في أرجلها حجارة صغيرة ، لا تصيب أحدا منهم إلا هلك فولى الجيش هاربا ، لا يلوى على شيء ، أما أبرهة فقد أصيب بالحجارة ، وما إن وصل إلى اليمن حتى فارق الحياة ، وقد ذكر الله عز وجل هذه الحادثة في القرآن الكريم إذ قال

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل *ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول 6


عبادة الأوثان

ضاقت مكة بأبناء إسماعيل عليه السلام وذريته ، فالتمسوا الرزق في بلاد أخرى ، فكان واحدهم لا يرحل عن مكة ، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما له ، فإذا ما استقروا ، وضعوا هذا الحجر فطافوا حوله كطوافهم حول الكعبة ، حتى إذا مرت السنون ، عبدوا ما أعجبهم من هذه الحجارة واستبدلوا بدين إسماعيل عليه السلام ، عبادة هذه الأوثان ، فصاروا أشبه بالأمم السابقة ، وما هم عليه من الضلال والشرك بالله عز وجل ، فإذا طافوا حول الكعبة ، وحدوا الله بالتلبية ثم أدخلوا معه أصنامهم ، يقول الله عز وجل واصفا حالهم

وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون 1

ثم إن بعض الرجال ، يدعى- عمرو بن لحي - خرج من مكة إلى بلاد الشام في تجارة له ، فوجد هناك أقواما يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها ، فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ، فقال له: ألا تعطوني صنما ، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له: هبل فكان هذا الرجل ، أول من غير دين إسماعيل عليه السلام وفيه يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه {2} في النار " ومن بين الأصنام التي عبدوها - العزى - وكان لقريش وبني كنانة ، وكانت أعظمها عندهم ، يزورونها ويهدون لها ، ويقتربون لها بالذبائح ومنها - اللات - وكانت لثقيف بالطائف وهي عبارة عن صخرة مربعة ومنها أيضا - مناة - وكانت للأوس والخزرج ، ومن دان بدينهم من أهل يثرب وغيرها من هذه الأصنام التي صنعوها بأيديهم ، ثم عبدوها ، ألا ساء ما يعبدون ، واعتقدوا أنها تجلب الخير وتمنع الشر ، ولذلك كانوا يتمسحون بها ويتبركون ، حتى إذا بعث الله رسوله محمدا ، صلى الله عليه وآله وسلم ، برسالة التوحيد استنكروا ذلك ، فقال تعالى في وصفهم

أجعل الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشيء عجاب 3


قريش وخدمة البيت

كان القرشيون يولون البيت العتيق اهتماما كبيرا ، وقد استطاع رجل منهم وهو قصي بن كلاب أن يحتكر أمر مكة والعناية بها ، لا بل تملك على قومه فملكوه ، فكانت إليه الحجابة {1} والسقاية {2} والرفادة {3} والندوة {4} واللواء {5} ، فحاز شرف مكة التي قطعها أرباعا بين قومه فأنزل كل قوم من قريش ، منازلهم من مكة ولكن قصي بن كلاب هلك ومات ، فاختلف القرشيون فيما بينهم حول أمور خدمة البيت ، لمن تكون الرفادة والسقاية ؟ ولمن تكون الحجابة والندوة واللواء ؟ وطمع بعضهم في أن تكون أمور الكعبة والبيت كلها في حوزته واشتد الخلاف بين القرشيين وكادت تقع حرب طاحنة فيما بينهم ، لولا أن تداعى القوم إلى الصلح ، فاتفقوا على أن يعطوا بني عبد مناف: السقاية والرفادة ، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار ، وكانوا بني عبد مناف قد دخلوا في حلف يسمى: حلف المطيبين ، وذلك أنهم غمسوا أيديهم جميعا ، في إناء مملوء بالطيب ، ثم تعاقدوا وتحالفوا ، أما بنو عبد الدار فقد دخلوا في حلف الأحلاف ، وذلك لأنهم عقدوا مع حلفائهم عند الكعبة ، حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا لكن أهم حلف عقده القرشيون قبل الإسلام ، كان حلف الفضول ، إذ تداعت قبائل من قريش إلى حلف ، يعقدونه في دار عبد الله بن جدعان ، فاجتمعوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما ، إلا نصروه وقاموا معه ، وفي هذا الحلف يقول رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم

لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حافا ما أحب أن لي به حمر النعم {6} ولو أدعى به في الإسلام لأجبت

ثم إن الرفادة والسقاية ، انتقلت إلى زعيم من زعماء قريش وهو: هاشم بن عبد مناف ، الذي يعتبر أول من سن الرحلتين لقريش: رحلتي الشتاء والصيف ، وأول من أطعم الثريد بمكة ، وعندما مات هاشم بن عبد مناف ، تولى السقاية والرفادة ، المطلب بن عبد مناف ، الذي كان ذا شرف في قومه وفضل ، وكان هاشم بن عبد مناف ، قد ولد له ولدا سماه: شبية ، وهو الذي أطلق عليه فيما بعد اسم: عبد المطلب والذي عاش في كنف ورعاية عمه المطلب

عبد المطلب وبئر زمزم

أمر عبد المطلب وهو نائم أن يحفر بئر زمزم ، وذلك أن الجراهمة عندما خرجوا من مكة ، دفنوها ، وفي ذلك قال على بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر {7} إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة {8} قلت: وما الطيبة ؟ قال: ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال: احفر برة {9} قلت: وما برة ؟ قال: ثم ذهب عني ، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة {10} قلت: وما المضنونة ؟ قال ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال: احفر زمزم ثم مضى عبد المطلب مع ابنه الحارث ، إلى المكان الذي عين له حاملا معوله ، فحفر فيها ، فلما بدا لعبد المطلب الطي {11} ، كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب ، إنها بئر أبينا إسماعيل ، وإن لنا فيها حقا ، فأشركنا معك فيها فقال: ما أنا بفاعل ، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم ، وبقي أمر السقاية بيد عبد المطلب ، جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم



فجر الهدى

بعد أن تم زواج عبد الله بن عبد المطلب ، من آمنة بنت وهب ، حملت آمنة بعد أشهر من زواجها ، بأشرف الخلق ، وخير الناس ، وقد حصل لها بعد حملها ، أمور عجيبة ، وها هى آمنة ، أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدثنا فتقول: أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقيل لي: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا ولد فقولي: أعيذه بالواحد ، من شر كل حاسد ، ثم سميه محمدا ، ولم يكن هذا الاسم معروفا في الجاهلية ، إلا أن ثلاثة من الرجال ، عزموا على تسمية أولادهم بهذا الاسم المبارك ، عندما سمعوا بقرب ولادة الرسول المنتظر ، طمعا بأن يكون أحدهم النبي المبعوث

ولادة خاتم الأنبياء

ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأثنين ، في الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، وفي العام الذي غزا فيه أبرهة الأشرم مكة ، يريد هدم بيتها المعظم ، والذي سمي بعام الفيل ، وكان أهل الكتاب من يهود ونصارى ، يعلمون بقرب ولادة الرسول الذي بشر به ، ولذلك يقول حسان بن ثابت ، رضي الله عنه : والله إني لغلام يفعه {1} ، ابن سبع سنين أو ثمان ، أعقل {2} كل ما سمعت ، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطعمة {3} بيثرب : يا معشر اليهود ، حتى إذا اجتمعوا إليه ، قالوا له : ويلك مالك ؟ قال طلع الليل نجم أحمد الذي ولد به وكانت أمه عندما حملت به صلى الله عليه وآله وسلم قد رأت نورا خرج منها ، رأت به قصور بصرى ، من أرض الشام ، فأرسلت إلى جده عبد المطلب وكان ابوه صلى الله عليه وآله وسلم ، قد مات ، وأم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حامل به ، فلما حضر جده ، قالت آمنة : إنه ولد لك غلام ، فأته فانظر إليه ، وحدثته بما رأت حين حملت به ، وما قيل لها فيه ، وما أمرت به أن تسميه فرح عبد المطلب بحفيده ، فقام فضمه إلى صدره وسماه محمدا ، وأخذه فدخل به الكعبة ، فقام يدعو الله ، ويشكر له ما أعطاه ، ثم طلب له المرضعات ، كي يرضعنه ، جريا على عادة اتبعها العرب في إرسال أولادهم إلى البادية ، ليكتسبوا القوة والفصاحة والمنعة



حليمة السعدية

استرضع عبد المطلب ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، امرأة من بني سعد بن بكر ، يقال لها: حليمة ابنه أبي ذؤيب ، وهو عبد الله بن الحارث أما والد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في الرضاعة ، فهو: الحارث ، وأنيسة بنت الحارث ، وحذافة بنت الحارث ، المعروفة بالشيماء ولنترك الآن حليمة السعدية ، تروي لنا ما أصابها وقومها من الخير ، بعد تسلمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تقول حليمة: خرجت من بلدي مع زوجي ، وابن لي صغير ، نلتمس الرضعاء ، في سنة شهباء {1} ، لم تبق لنا شيئا ، ومعنا شارف {2} لنا ، والله ما تبض {3} بقطرة ، وما ننام ليلنا من صبينا الذي معنا ، من بكائه من الجوع ، وما في ثديي ما يشبعه ، وما في الشارف ما يغذيه حتى وصلنا إلى مكة فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتأباه ، إذا قيل لها: إنه يتيم ، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول: يتيم !! وما عسى أن تصنع أمه وجده ! فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا إلا أنا فلما نوينا الانطلاق قلت لزوجي

والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ، ولم آخذ رضيعا ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه فقال زوجي: لا عليك أن تفعلي ، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة فذهبت حليمة إلى ذلك اليتيم صلى الله عليه وآله وسلم فأخذته ، وما حملها على أخذه إلا أنها لم تجد غيره وتقول حليمة السعدية: فلما أخذته ، رجعت إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري ، أقبل عليه ثديي بما شاء من لبن {4} ، فشرب حتى روي ، وشرب معه أخوه {5} حتى روي ، ثم ناما ، وما كنا ننام معه قبل ذلك ، وقام زوجي إلى شارفنا ، فإذا إنها لحافل {6} ، فحلب منها ما شرب ، وشربت معه حتى شبعنا ، فبتنا بخير ليلة ، إلى أن أصبحنا ، فقال زوجي: اعلمي يا حليمة ، لقد أخذتنا نسمة مباركة ، ثم ركبت حماري ، وحملت اليتيم معي ، فأسرع الحمار حتى إنني سبقت صواحبي كلهن ، إلى أن وصلنا إلى منازلنا من بلاد بني سعد ، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب {7} منها فكانت غنمي تعود ، حين قدمنا به معنا شباعا ، قد امتلأ ضرعها لبنا ، فنحلب ونشرب ، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم أسرحوا بأغنامكم ، حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب ، فتعود أغنامهم جياعا لا تحلب قطرة لبن ، وتعود أغنامي شباعا ، تدر لبنا كثيرا ، ولم تزل البركة والخير ، تحفان بناحتى مضت سنتان ، عندئذ فصلته {8} ، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنيه ، حتى كان غلاما جفرا {9} ، صلى الله عليه وآله وسلم وتقول حليمة السعدية: فعدت به إلى أمه صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أحرص شيء على بقائه فينا ، لما كنا نرى من بركته ، ولم أزل أكلم أمه في أن تبقيه عندي ، حتى رضيت فرجعنا به ، وبعد أشهر ، أتانا أخوه يشتد {10} فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاه ، فشقا بطنه ، فخرجت أنا وأبوه نحوه ، فوجدناه قائما منتفعا {11} وجهه ، فأحطناه وقلنا له: مالك يا بني قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاني وشقا بطني ، فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو وتقول حليمة السعدية: قال لي أبوه {12} : يا حليمة ، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب ، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به فأحتمله ، فقدمت به على أمه فقالت: ما الذي جاء بك يا حليمة ، وقد كنت حريصة عليه ، وعلى بقائه عندك فقلت قد أديت واجبي ، وتخوفت الأحداث ، فأعدته إليك كما تحبين ، فقالت آمنة: ما هذا شأنك ، فاصدقيني خبرك ، فأخبرتها ، فقالت أفتخوفت عليه الشيطان ؟ والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لابني لشأن ، فقد رأيت حين حملت به ، أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصري من أرض الشام ، ثم حملت به ، فوا لله ما رأيت من حمل قط كان أخف عليه ولا أيسر منه ، ووقع حين ولدته ، وإنه لواضع يديه بالأرض ، رافع رأسه إلى السماء ، دعيه عنك وانطلقي راشدة


وفاة آمنة

عاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أمه آمنة بنت وهب ، وجده عبد المطلب بن هاشم ، في حماية الله عز وجل وحفظه ، ينبته الله نباتا حسانا ، لما يريد به من كرامته ، وبينما كانت آمنة راجعة به صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ، وقد كانت تزور أخواله من بني عدي بن الجار ، جاءها ملك الموت فقبض روحها ، في منطقة الأبواء ، بين مكة والمدينة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن ست سنين

وفاة عبد المطلب

انتقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد وفاة أمه ، إلى جده عبد المطلب ، الذي رعاه خير رعاية ، وحفظه خير حفظ ، فكان يحبه حبا جما ، حتى كان يفضله على بنيه ، فكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة ، فيأتي أعمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيجلسون حول فراشه ، فلا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له ، أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان يأتي وهو غلام جفر ، حتى يجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه ، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني ، فوا لله إن له لشأنا ، ثم يجلسه معه على الفراش ، ويمسح ظهره بيده ولكن ما إن بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثماني سنوات حتى توفي جده عبد المطلب بن هاشم

كفالة أبي طالب

وانتقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى عمه أبي طالب ، تنفيذا لوصية عبد المطلب ، وذلك لأن عبد الله ، أبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأبا طالب أخوان لأب وأم ، فأمهما: فاطمة بنت عمرو وعاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عند عمه سعيدا فرحا كذلك كان عمه ، سعيدا بصحبته، حتى إنه كان لا ينام إلا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إله وسلم إلى جانبه وقد حدث أبو طالب ، أخاه العباس ، عما كان يرى من شأن ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أمرت محمدا في ليلة ، أن يخلع ثيابه وينام معي ، فرأيت الكراهة في وجهه ، لكنه كره أن يخالفني ثم قال: يا عماه اصرف وجهك عني ، حتى أخلع ثيابي ، إذ لا ينبغي لأحد أن يرى جسدي ، فتعجب من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش ، وحاولت النظر إلى جسده ، فما كنت أرى شيئا ، وكثيرا ما كنت أسمع منه كلاما يعجبني ، وذلك عند مضي بعض الليل ، وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ، ولا نحمده بعده ، وكان يقول في أول الطعام: باسم الله الأحد ، وإذا فرغ منه قال: الحمد لله ، فتعجبت منه ، ثم لم أر منه كذبة ولا ضحكا ولا جاهلية ولا وقف مع صبيان يلعبون


--------------------------------------------------------------------------------


من كل دنس

حفظ الله تعالى نبيه وحبيبه ، محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، من كل دنس ، وأبعده عن رذائل الجاهلية ومفاسدها ، وحماه من كل سوء فقد ضرب الله تعالى على أذنه فنام ، وما أيقظه إلا حر الشمس ، وذلك بعد أن ترك غلاما مع غنمه ، وذهب ليسمر ويلهو ، كما يسمر ويلهو شباب مكة ، حتى إذا بلغ أول دار بمكة سمع عزفا وغناء ، ثم أفاق من نومه بعد أن أنتهى كل شيء ويحدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عما كان الله تعالى ، يحفظه به في صغره فقال : لقد رأيتني في غلمان قريش ، ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان ، كلنا قد تعرى ، وأخذ إزاره فجعله على رقبته ، يحمل عليه الحجارة ، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر ، إذ لكلمني لاكم ما أراه ، لكمة وجيعة ، ثم قال : شد عليك إزارك ، قال : فأخذته وشددته على ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري على من بين أصحابي

تعريفه بنفسه صلى الله عليه وآله وسلم

اجتمع نفر من أصحاب ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حوله ثم قالوا له : يا رسول الله أخبرنا عن نفسك ؟ قال نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى ، ورأت أمي حين حملت بي ، أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ، واسترضعت في بني سعد بن بكر ، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما {1} ، لنا ، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض ، بطست من ذهب مملوءة ثلجا ، ثم أخذاني فشقا بطني ، واستخرجا قلبي فشقاه ، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه ، ثم قال أحدهما لصاحبه ، زنه بعشرة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال : زنه بمئة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال : زنه بألف من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، فقال : دعه عنك ، فو الله لو وزنته بأمته لوزنها



سفره الثاني إلى الشام

عرف رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم ، منذ نعومة أظفاره بالصدق والأمانة ، حتى اشتهر ذلك عنه عليه الصلاة والسلام ، فكان أعداؤه هم الذين شهدوا بصدقه وأمانته ، حتى أطلقوا عليه لقب : الأمين ، وذلك لوقاره وهديه وصدق لهجته ، وبعده عن الأدناس ، فقد أعترف أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي لأحد أصحابه قائلا : كنا نسميه الأمين ، ومع شدة معاداة المشركين له ، صلى الله عليه وآاه وسلم ، كانوا يضعون الأمانات والودائع عنده ، حتى اضطر عليه الصلاة والسلام يوم الهجرة ، أن يترك أبن عمه عليا ، كرم الله وجهه ، نائبا له ليرد الأمانات إلى أصحابها ولم يكن أحد من المشركين ، يجهل صدقه وأمانته ، صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى سمعت به ، امرأة ذات حسب ونسب ، وذات شرف ومال ، وهي خديجة بنت خويلد الأسدية ، والتى كانت تستأجر الرجال في مالها ، وتجعل لهم شيئا منه ، وكان القرشيون معروفون بحبهم للتجارة وبأسفارهم المتواصلة صيفا وشتاء، فكانت لهم رحلتان : رحلة في الصيف إلى بلاد الشام ورحلة في الشتاء إلى اليمين ، كما يخبرنا الله تعالى في سورة قريش ي

لإيلاف قريش إيلافهم (1) رحلة الشتاء والصيف ، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع (2) وآمنهم من خوف

فلما وصل إلى خديجة رضي الله عنها ، نبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وما هو عليه من صدق في الحديث وأمانة وكرم أخلاق ، بعثت إليه ، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا ، على أن تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار ، مع غلام لها يقال له : ميسرة ، وقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما عرضت عليه خديجة ، رضي الله عنها وخرج في مالها ، وخرج معه غلامها ميسرة حتى وصلا إلى بلاد الشام وفي بصرى توقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت ظل شجرة ليأخذ قسطا من الراحة مع الغلام ميسرة ، فرآهما الراهب ، نسطور ، فتقدم منهما وقال : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي {3} ثم سأل نسطور ميسة قائلا : أفي عينه حمرة ؟ قال ميسرة : نعم لا تفارقه فقال نسطور : هو نبي وهو أخر الأنبياء وكان ميسرة إذا اشتد الحر ، رأى ملكين {4} يظلان النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، من الشمس وهو على بعيره ، ثم باع رسول الله عليه وآله وسلم التجارة ، وربحت ضعف ما كان يربحه التجار ، وعندما عادا إلى مكة ، حدث ميسرة خديجة رضي الله عنها ، عن قول الراهب ، وما رأى من إضلال الملكين إياه ، فازدادت به إعجابا وثقة ، وأعطته ضعف ما سمت له ، عندما رأت هذا الربح الهائل ، الذي عاد به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لما حل عليه من بركته



زواجه الأول

أرسلت خديجة ، رضي الله عنها ، نفيسة بنت منية ، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، تعرض عليه الزواج منها ، وترغبه فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنفيسة : "ما بيدي ما أتزوج به" قالت نفيسة : فإن كفيت ذلك ، ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ، ألا تجيب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فمن هي ؟ قالت نفيسة : خديجة بنت خويلد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وأنا أفعل وكانت خديجة ، رضى الله عنها ، أمرأة حازمة وعاقلة جلدة {1} شريفة غنية جميلة ، ومن أوسط قريش نسبا ، وأعظمهم شرفا وكل رجل من قريش كان حريصا على خطبتها لو أن له قدرة على ذلك ، وكانت رضي الله عنها ، تدعى في الجاهلية بالطاهرة وبسيدة قريش ، وقد خطبت من قبل أشراف قريش وزعمائها ، فلم تقبل أحدا منهم وكانت إذ ذاك تبلغ من العمر أربعين عاما ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ريعان الشباب ، وأوج الفتوة إذ كان يبلغ آنذاك خمسا وعشرين عاما نقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، رغبته في الزواج من خديجة ، رضي اله عنها إلى أعمامه ، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب ، وأبو طالب ، ودخلوا على عمها : عمرو بن أسد : هو الفحل الذي لا يجدع {2} أنفه ، وبذل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، اثنتي عشرة أوقية ونصفا من الذهب صداقا لها ، ونح جزورين {3} ، وأطعم الناس ، وفرحت خديجة رضي الله عنها ، وأمرت جواريها أن يرقصن ويضربن بالدفوف ، كما فرح أبو طالب وقال : الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب {4} ودفع عنا الغموم وكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أول وليمة أولمها ، وبعد زواجه ، لم يسافر في رحلة للتجارة ، بل أقام في مكة إلى أن هاجر إلى المدينة

أولاده صلى الله عليه وآله وسلم

أنجبت خديجة رضي الله عنها ستة أولاد ، ذكران وهما : القاسم وبه كان يكنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعبد الله ، الذي كان يلقب بالطاهر والطيب ، وقد ماتا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

وأما الإناث فهن : زينب : التي تزوجت ابن خالتها: أبي العاص ابن الربيع ، والذي أعلن إسلامه بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة

ورقية: والتي تزوجت عتبة بن أبي لهب ، والذي ما لبث أن طلقها ، إثر مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه

وأم كلثوم: والتي تزوجها: عتبة بن أبي لهب والذي طلقها ، بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد موت أختها رقية

وفاطمة الزهراء: صغرى بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والتي تزوجت من أحب فتى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو علي بن أبي طالب ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

وأما إبراهيم فهو من زوجته السرية : مارية القبطية ، التي أهداها إليه صلى الله عليه وآله وسلم ، المقوقس ، ملك القبط في مصر ثم توفي إبراهيم قبل أن يبلغ العامين





مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم


عندما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وبشيرا للناس أجمعين ، وكان الله تبارك وتعالى ، قد أخذ الميثاق {1} على نبي بعثه قبله بالإيمان به ، والتصديق له ، والنصر له على من خالفه يقول الله عز وجل مخاطبا النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه . قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين 2

وكان أول ما ابتدىء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي ، الرؤية الصادقة ، تقول عائشة بنت أبي بكر الصديق ، رضي الله عنها: إن أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من النبوة ، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به ، الرؤيا الصادقة ، لا يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح وقالت عائشة رضي الله عنها : وحبب الله تعالى إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حين أراد الله كرامته ، وابتدأه بالنبوة ، إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر {3} عنه البيوت ، ويفضى {4} إلى شعاب {5} مكة وبطون أوديتها فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله

بدء الوحي

اعتاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يعتكف شهرا في كل عام في غار حراء ، يتفكر في آلاء الله عز وجل ويبتعد عن فجور أهل مكة وعاداتهم الذميمة ، فإذا انتهى ذلك الشهر ، كان أول ما ينتهي إليه قبل أن يذهب إلى بيته ، الكعبة ، فيطوف بها سبعا ، ثم يرجع إلى بيته إلى أن كان الشهر الذي أراد الله تعالى فيه ما أراد من كرامته ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك الشهر هو شهر رمضان ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كعادته إلى غار حراء ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ، جاءه جبريل عليه السلام ، بأمر الله تعالى ، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " فجاءني جبريل ، وأنا نائم ، بنمط {6} من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ ، قال: قلت: ما أقرأ {7} ؟ قال: فغتني {8} به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني {9} فقال: اقرأ ، قال: قلت ما أقرأ ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال: اقرأ ، قال: قلت: ماذا اقرأ ؟ قال: فغتني به ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني فقال: اقرأ ، قال: قلت: ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال

اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم 10

قال: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني ، وهببت من نومي ، فكأنما كتبت في قلبي كتابا قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل ، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل ، قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر ، فإذا جبريل في صورة رجل يقول: يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل قال: فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، قال: فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا أتقدم أمامي وما أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة ، فجلست إلى فخدها مضيفا {11} إليها ، فقالت: يا أبا القاسم ، أين كنت ؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي ، ثم حدثتها بالذي رأيت ، فقالت: أبشر يا بن عم وأثبت فهو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة وقد ابتدىء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بالتنزيل في شهر رمضار المبارك ، لقول الله تبارك وتعالى

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان 12

ولقوله عز وجل

إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ، سلام هي حتى مطلع الفجر 13

إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

لم يكتف المشركون بمخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإيذائه بألسنتهم الخبيثة واتهامه بالسحر والجنون ، وبما كانوا يلقونه على مسامعه من كلام مقذع ، بل حاولوا المكيدة له ، صلى الله عليه وآله وسلم ، للتخلص منه ، على الرغم من أن أبا طالب ، كان يحاول جاهدا أن يمنع الأذى عن ابن أخيه ، ويحميه من غدرهم ، يسانده في ذلك قومه من بني هاشم وبني عبد المطلب . ومن صور الإيذاء التي تعرض لها رسول الرحمة والإنسانية ، والتي لم تزعزع من إيمانه ولم تثبط من عزيمته ، بل مضى غير عابىء بالأهوال والمصاعب ، يدعو قومه إلى الإيمان وإلى خيرهم في الدنيا والآخرة ، صلى الله عليه وآله وسلم . فبينما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الكعبة يصلى ، وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائلهم : ألا تنظرون إلى هذا المرائي ؟ أيكم يقوم إلى هذا الجزور {1} فيعمد إلى أمعئها ودمها فيجيء بها ثم يمهله حتى إذا سجد وضع ذلك بين كتفيه ؟ فأنبعث أشقاهم عقبة بن أبي معيط ، فأتي النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ساجد فوضع هذه الأقذار بين كتفيه . أما الرسول ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد ثبت على سجوده ، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض ، وأخبرت فاطمة ابنته فجاءت تسعى حتى وصلت إليه ، فألقت الأقذار عليهم وبدأت تسبهم ، فلما انتهى من صلاته ، صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الهم عليك بقريش" ثم سمى رجالها فقال: " اللهم عليك بعمرو بن هشام ، وعتبة وشيبة ابني ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمارة بن الوليد " . وقد سقط هؤلاء جميعهم صرعى يوم بدر . ومن صور التهكم والسخرية برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبما جاء به ، قول عبد العزى بن عبد المطلب المعروف بأبي لهب : يعدني محمد أشياء لا أراها ، يزعم أنها كائنة بعد الموت ، فماذا وضع في يدي بعد ذلك ، ثم ينفخ في يديه ويقول : تبا لكما ، ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد ، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه

تبت (2) يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته (3) حمالة الحطب في جيدها (4) حبل من مسد (5) . صدق الله العظيم 6

أما امرأته فلم تكن بأقل من زوجها غيظا على الرسول الكريم ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد سماها الله سبحانه وتعالى : حمالة الحطب ، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يمر ، وعندما سمعت أم جميل : حمالة الحطب ، بما أنزل الله سبحانه وتعالى فيها وفي زوجها من القرآن الكريم ، أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، وفي يدها حجر يملأ كفها ، فلما دنت منهما أخذ الله عز وجل ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم تر إلا أبا بكر ، فقالت: يا أبا بكر ، أين صاحبك ، فقد بلغني أنه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه {7} . ثم انصرفت ، فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : يا رسول الله ، أما تراها رأتك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما رأتني ، لقد أخذ الله ببصرها عني " كذلك كان أمية بن خلف إذا رأى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم همزة ولمزة ، فأنزل الله تعالى فيه

ويل لكل همزة (8) ولمزة (9) ، الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا ليبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممدودة 10

أما العاص بن وائل السهمي ، فقد كان يسخر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومما وعده ووعد المسلمين من جنات النعيم ، وحدث أن العاص هذا ، اشترى من صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خباب بن الأرث سيوفا عملها له ، فجاءه خباب يطلب منه ثمن السيوف فقال له : يا خباب أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه ، أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب ، أو فضة ، أو ثياب ، أو خدم . قال خباب : بلى . فقال العاص : فأنظرني {11} إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأعيد هناك حقك ، فو الله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله مني ، ولا أعظم حظا في ذلك ، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه

أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ، أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا 12

أما أبو جهل ابن هشام ، فقد لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له : والله يا محمد ، لتتركن سب آلهتنا ، أو لنسبن آلهك الذي تعبد فأنزل تعالى فيه

ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ، فيسبوا الله عدوا بغير علم 13

فكف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عن سب آلهتهم ، وجعل يدعوهم إلى الله عز وجل . وإليك عزيزي القارىء ، صورا أخرى من صور إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي تحمل من أهله وعشيرته ما تنوء {14} عن حمله الجبال الراسيات ، ومع ذلك فقد مضى صلى الله عليه وآله وسلم ، غير يائس يدعو أهله وعشيرته إلى الله عز وجل . فها هو النضر بن الحارث ن كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مجلسا ودعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآن ، وحذر فيه قريشا ما أصاب الأمم الخالية ، خلفه في مجلسه إذا قام ، فحدثهم عن رستم وأسفنديار {15} ثم يقول : والله ما محمد بأحسن حديثا مني ، وما حديثه إلا أساطير الأولين ، اكتتبها . فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه

وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ، قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما 16

كما نزل فيه

ويل لكل أفاك أثيم ، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم 17

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس يحاور عددا من المشركين بينهم الوليد بن المغيرة والنضر بن حارث فأفحمهم جميعا وغلبهم في الحوار ، ثم تلا عليهم قوله تعالى

إنكم وما تعبدون من دون الله حصب (18) جهنم أنتم لها واردون ، لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون 19

ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأقبل عبد الله ابن الزبعرى حتى جلس ، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى : والله ما استطاع النضر بن الحارث أن يفحم ابن عبد المطلب ، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم فقال عبد الله بن الزبعرى : أما والله لو وجدته لخصمته {2.} ، فسلوا محمدا ، أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيرا {21} ، والنصارى تعبد عيسى ابن مريم _ عليهما السلام _ فعجب الوليد ، ومن كان معه في المجلس كيف فاتتهم هذه الفكرة ، ورأوا أنها حجة دامغة ، فنذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : " إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده ، إنهم إنما يعبدون الشياطين " ، فأنزل الله سبحانه وتعالى

إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون 22

وقد حسد المشركون ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حسدا عظيما ، فهذا الوليد بن المغيرة يقول: أينزل القرآن على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها ؟ ! . ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير سيد ثقيف ، ونحن عظيما القريتين ! فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم 23

انظر عزيزي القارىء إلى الجهلة ، وما يعرضون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبينما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يطوف بالكعبة ، إذ اعترضه الأسود بن المطلب ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل السهمي ، فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد ، كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد ، كنت قد أخذت بحظك منه ، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم

قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين 24


أبو طالب ودفاعه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، دعوته وجهر بها ، امتثالا لأمر الله عز وجل ، لم يبعد عنه قومه ، ولم يظهر العداوة له ، حتى ذكر آلهتهم بسوء وعابها واستنكر عبادتها ، فلما فعل ذلك ، عارضوه وأظهروا العداوة والبغضاء له ، فحماه عمه أبو طالب ، ومنعه عنهم وقام دونه ، أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد مضي على أمر الله عز وجل ، مظهرا له وداعيا إليه ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، فلما رأت قريش ذلك ، مشي رجال من أشرافها إلى أبي طالب: وكان منهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس ، وأبو سفيان بن حرب ، والعاص بن هشام ، والأسود بن المطلب ، وأبو جهل ، والوليد بن المغيرة وغيرهم وقالوا: يا أبا طالب ، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا ، وأما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافة . فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه خائبين ، وكانوا يرجون أن يظفروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو يتخلى عنه عمه فيفتقد إلى النصير والمعين ، ومضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهمة عالية وعزيمة لا تلين ، يظهر دين الله عز وجل ، ويدعو إليه ، ثم اشتد الأمر بينه وبين المشركين ، حتى تباعد الناس وتعادوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخض بعضهم بعضا عليه ، وأضمروا له الشر . ثم مشى القرسيون مرة ثانية إلى أبي طالب فقالوا له : يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وأنا قد عرضنا عليك أن تكف ابن أخيك عنا ، وتمنعه من تسفيه أحلامنا وسب آلهتنا ، وأنا والله لن نصبر على هذا حتى يكف عنا ، أو تتركه لشأنه حتى يهلك أحد الفريقين . ويبدو من كلام المشركين ، أنهم هددوا أبا طالب ، إن استمر في نصرة ابن أخيه ، فعظم عليه فراق قومه وعدواتهم له ، وبنفس الوقت ، لم يكن أبو طالب راضيا بتسليم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لهم ولا خذلانه . فبعث إلى ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فقال له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاؤوني وقالوا لي : كذا وكذا . فأبق علي وعلى نفسك ؤ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ، فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عمه ضعف وأنه لا بد خاذله فقال : " يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ، ما تركته " . ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقام نحو الباب يريد أن يخرج ، فناداه أبو طالب وقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا . وعندما رأت قريش أن أبا طالب ، ماض في نصرة ابن أخيه والدفاع عنه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ماض هو الآخر في دعوته الإسلامية وفي محاربة الأوثان والشرك ، اجتمعت بعد أن خرجت بحيلة جديدة ، وذهب وفد منها إلى أبي طالب للمرة الثالثة ليفاوضه في أمر ابن أخيه ، فقال أحدهم: يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد ، أقوى وأشد قتى في قريش وأجمله ، فخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا ، الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة أهلك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل . فقال أبو طالب : والله لبئس {1} ما تسومونني {2} ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابنى تقتلونه !! هذا والله ما لا يكون أبدا


فرض الصلاة


كان أول شيء فرضه الله ، عز وجل ، على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان ، الصلاة ، فعن عائشة رضي الله عنها ، قالت: أفترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أول ما أفترضت عليه ركعتين ركعتين كل صلاة ، ثم إن الله تعالى ، أتمها في الحضر أربعا ، وأقها في السفر على فرضها الأول ركعتين ثم إن الله سبحانه وتعالى ، عندما فرض الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأتاه جبريل ، وهو بأعلى مكة ، فهمز {1} له بعقبه في نواحي الوادي ، فانفجرت منه عين ، فتوضأ جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إليه ، ليريه كيف الطهور للصلاة ، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما توضأ جبريل عليه السلام ، ثم قام جبريل عليه السلام فصلى به ، ثم اتجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زوجته خديجة ، رضي الله عنها ، فتوضأ ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل ، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما صلى به جبريل علية السلام وكان جبريل عليه السلام ، قد صلى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الظهر حين مالت الشمس ، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله ، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس ، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق ، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر ، ثم جاءه فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله ، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله ، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها في الأمس ، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأول ، ثم صلى به الصبح مسفرا {2} غير مشرق {2} ثم قال: يا محمد ، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس

المسلمون الأوائل

أول الناس إيمانا بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، خديجة بنت خويلد ، رضي الله عنها ، كما مر معنا ، ثم أخذ عدد المسلمين يزداد رويدا رويدا ، ثم كان على بن أبي طالب بن عبد المطلب ، أول ذكر من الناس آمن برسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي كان ، رضي الله عنه ، في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قبل الإسلام إذ أخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ليرعاه ويكفله ، تخفيفا على أبي طالب ، إذ كان ذا عيال كثير ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه علي بن أبي طالب ، مستخفيا من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه ، وعندما عثر أبو طالب عليهما وهما يصليان قال أبو طالب: يا بن أخي ، ما هذا الدين الذي أراك تدين به ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عم ، هذا دين الله ، ودين ملائكته ، ودين رسله ودين أبينا إبراهيم ، بعثني الله به رسولا إلى العباد ، وأنت يا عم ، أحق من بذلت له النصيحة ، ودعوته إلى الهدى ، وأحق من أجانبي إليه وأعانني عليه فقال أبو طالب: يا بن أخي ، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص {4} إليك بشيء تكرهه ما بقيت ثم أسلم ثانيا ، زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أن حكيم بن حزام بن خويلد ، عاد من بلاد الشام ومعه بعض الرقيق ، وفيهم زيد بن الحارثة ، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خوبلد ، وهي يومئذ عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال حكيم بن حزام لعمته خديجة: اختاري يا عمة أي هؤلاء الغلمان شئت فهو لك ، فاختارت زيدا فأخذته ، ثم وهبته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وطلب ابنه منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزيد: إن شأت فأقم عندي ، وإن شئت فانطلق مع أبيك ، فقال زيد: بل أقيم عندك ، فلم يزل عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى بعثه الله عز وجل فصدقه وأسلم وصلى معه ، فلما أنزل الله ، عز وجل

ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله 5

قال زيد : أنا زيد بن حارثة ، ثم سقط زيد شهيدا عندما أرسله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أميرا على الجيش في معركة مؤتة ثم أسلم أبو بكر أبي قحافة ، الصديق ، رضي الله عنه ، الذي أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأسلم على يديه: عثمان بن عفان ، والزبير بن العوام بن خويلد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد الله ، الذي جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما دعوت أحدا إلى الإسلام ، إلا كانت فيه كبوة {6} ونظر وتردد ، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ثم وفي أثناء الدعوة إلى الله وإلى الدين الجديد سرا ، والتي دامت مدة ثلاث سنوات ، دخل في الإسلام رجال جدد ، نذكر بعضهم: أبو عبيدة بن الجراح ، والأرقم بن أبي الأرقم ، الذي أقام في داره ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مستخفيا مع أصحابه بعبادتهم ، إلى أن أمره الله عز وجل ، بإظهار الدين ، وعثمان بن مظعون ، وعبيدة بن الحارث بن المطلب ، وسعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب ، أخت عمر بن الخطاب ، وأسماء بنت أبي بكر ، وعسير بن أبي وقاص ، أخو سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود وغيرهم وغيرهم ، هؤلاء المسلمون الأوائل ، هم من قبائل مختلفة ، أنضووا تحت لواء الدعوة الإسلامية ، وأصبحوا أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولاقوا من العذاب والاضطهاد ما تشيب من هوله {7} الولدان ، الأمر الذي هيأ لظهور الإسلام جهرا وأمام الناس أجمعين


القرآن المعجز

ضاقت الحيل بالمشركين ، وباءت محاولاتهم في ثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عما جاء به بالفشل الذريع ، ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بعث ليبشر الناس بالدين الجديد ، وليحطم أصنامهم ويبدل عاداتهم وتقاليدهم المنافية للإسلام ، فهو ماض في ذلك ، لا تزعزع عزيمته حيلة أو تعذيب أو اضطهاد ، يعنيه الله عز وجل ، لتتم كلمة الله سبحانه وتعالى ، ولينشر الأمن والسلام ، ويعم الإسلام أرجاء المعمورة ، فما كان من المشركين إلا أن ازدادوا جبروتا وعنادا وأخذوا يصبون جام غضبهم وحقدهم على المسلمين ، وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحاولوا الإساءة إليه بما وصفوه من أوصاف ، كانوا هم أنفسهم يشكون في صحة نسبتها إليه ، وذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما حاولوا التشكيك بالقرآن الكريم ، الذي كانوا إذا سمعوه خشعت قلوبهم وشخصت أبصارهم ، وحاوت عقولهم ، فهم أهل بلاغة وفصاحة ، ولم يسمعوا من قبل بهذا الكلام المعجز ، وها هو الوليد بن الغيرة أحد رؤوس الكفر والشرك ، يجتمع إليه نفر من قريش فيقول لهم: يا معشر قريش ، إنه قد حضر الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم إليكم ، ولا بد أنهم سمعوا بأمر صاحبكم ، فوحدوا فيه رأيكم ولا تختلفوه فيكذب بعضكم بعضا . فقالوا : نقول كاهن . قال الوليد : لا والله ماهو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بكلامهم ولا سجعهم . فقالوا : نقول مجنون . قال الوليد : ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه . فقالوا : نقول شاعر . قال الوليد : ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله ، فما هو بالشعر . فقالوا : نقول ساحر . قال الوليد : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم . فقالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس . قال الوليد والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق {1} ، وما أنتم بقائلين من هذا الشيء إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه ، أن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر ، يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . ثم أمرهم أن يشيعوا هذا بين الناس ، فجعلوا يجلسون بسبل {2} الناس حين قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره . فأنزل الله سبحانه وتعالى في الوليد بن المغيرة الآيات التالية

ذرني (3) ومن خلقت وحيدا . وجعلت له مالا ممدودا (4) . وبنين شهودا (5) . ومهدت له تمهيدا . ثم يطمع أن أزيد . كلا إنه كان لآياتنا عنيدا . سأرهقه صعودا (6) . إنه فكر وقدر . فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر . ثم نظر ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر . فقال إن (7) هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر 8
كما أنزل الله سبحانه وتعالى في النفر الذين كانوا مع الوليد بن المغيرة ، والذين تفننوا في وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

كما أنزلنا على المقتسمين . الذين جعلوا القرآن عضين (9) . فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون 10


الإسراء والمعراج

أراد الله عز وجل ن بعد وفاة خديجة بنت خويلد ، رضي الله عنها ، وأبي طالب ، وبعد عودة رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، من الطائف حزينا كئيبا ن أن يخفف بعض أحزانه ، فأيده بمعجزة الإسراء والمعراج {1} ، فقد استيقظ رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ذات صباح ن ودعا إليه أم هانئ بنت أبي طالب ، أخت علي بن أبي طالب ، وأخبرها بقصة الإسراء والمعراج ، كما أعلمها أنه يريد إخبار قومه ، علهم يعودون إلى رشدهم ، لكن أم هانئ ناشدته ألا يخبر قومه خوفا عليه من تكذيبهم ، وأمسكت بردائه تريد أن تمنعه ، إلا أنه ن صلى الله عليه وآله وسلم ، مضي دون أن تراه عندما سطع نور عند فؤاده كاد يخطف بصرها ، والتقي مع نفر من قريش ن فيهم أبو جهل ومطعم بن عدي . فقص رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، خبر الإسراء ، فقال أبو جهل : أتحدث قومك بمثل ما تحدثني ؟ فأجاب : "نعم" . وعندما حضر القرشيون ، سمعوا ما قاله رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فجعل بعضهم يصفق ن ووضع بعضهم يده على رأسه تعجبا ، ثم قال المطعم : والله إن أمرك لعجيب ، فنحن نقضي شهرا كاملا في الذهاب إلى بيت المقدس ، وشهرا آخر في الإياب ، وأنت تزعم أنك أتيته في ليلة واحدة ن واللات والعزى لا أصدقك ، أما أبو بكر الصديق ، رضي اله عنه ن وقد سمع ما قاله المطعم ، وقف قائلا : يا مطعم بئس ما قلت لابن أخيك ، فو الله أشهد أنه لصادق ، وإني لأصدقه فيما أبع من ذلك ، ثم طلب المشركون من رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يصف لهم بيت المقدس وكان بعضهم يعرفه ، فوصفه لهم وصفا دقيقا ، وأبو بكر {2} ، رضي الله عنه ، يقول عن كل صفة وصفها : أشهد أنك رسول الله ، عندئذ قالوا : أما النعت {3} فقد أصبت فأخبرنا عن عير {4} لنا قادم من الشام ، فأخبرهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بخبر القافلة التي يتقدمها جمل أورق {5} ، كما أخبرهم أنها ستصل يوم كذا مع طلوع الشمس . وعندما خرجوا ينتظرون وصول القافلة مع طلوع الشمس قالوا عندما رأوها : إن هذا سحر مبين وقد أنزل الله سبحانه وتعالى قوله في ذكر الإسراء

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير 6

أما في معراج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ن إلى السماوات العلي ، ومروره بالأنبياء عليهم السلام ، فقد فرضت الصلاة على المسلمين ، خمس صلوات في كل يوم وليلة ن بعد أن كانت قبل المعراج: ركعتين في الصباح وركعتين في المساء أما عبادة الليل فكانت مقتصرة على ترتيل القرآن الكريم ، وفي صبيحة الإسراء بين جبرائيل عليه السلام لرسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، كيفية الصلاة ولذلك قال ، صلى الله عليه وآله وسلم : " صلوا كما رأيتموني أصلي " كما أن جبرائيل عليه السلام ، علم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أوقات الصلاة



سراقة وأم معبد

سمع سراقة بن مالك المدلجي ، بما أعلنته قريش ، عن منح مائة لمن يأتي بمحمد أو يدل عليه ، فطمع أن تكون هذه الجائزة من نصيبه ، فما كان منه إلا أن جهز راحلته ، وانطلق إثر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ولما رآه ودنا منه ، عثرت به فرسه فسقط عنها ، ثم عاد فركبها ، وحاول أن يتقدم نحوه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فجمحت {1} الفرس ، وانغرزت يداها في الرمال ، فإذا ما وجهها نحو مكة أخذت تعدو مسرعة ن فإذا أعادها نحو رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، امتنعت عن التقدم وعرف سراقة عند ذلك ، أن الله سبحانه وتعالى ، مانع نبيه ، صلى الله عليه وآله وسلم منه ، فناداهم بقوله : أنا سراقة بن مالك ن انظروني أكلمكم ، فو الله لن أؤذيكم ن ولن تجدوا مني شيئا تكرهوه ، سوى أني أريد كتابا يكون آية {2} بيني وبين محمد ن فكان له ما أراد . فأخذه وانطلق إلى مكة دون أن يخبر أحدا ، إلى أن فتحت مكة ، عندما تقدم سراقة من رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، والكتاب في يده ، ثم أعلن إسلامه ، فبشره رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بأنه سيضع سوارى كسرى في يديه ، فكان ذلك أيام الفتوحات ، بعد وفاة الرسول الكريم ، صلى الله عليه وآله وسلم . تابع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، مسيرة مع صاحبه أبي بكر ن رضي الله عنه ، إلى أن وصلوا إلى خيمة تسكنها امرأة مع زوجها تدعى : عاتكة بنت خلف المعروفة باسم أم معبد الخزاعية . فنزلوا عندها ضيوفا ، ليخففوا عنهم بعض عناء السفر ، ورأى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، شاة هزيلة ، فطلب من أم معبد بعض اللبن {3} ، فقالت أم معبد : والله ما بها قطرة لبن واحدة ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : " أتأذنين لي أن أحلبها ؟ " فقالت : إن كان بها لبن فاحلبها ، فأمسك رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، الشاة فمسحها وذكر اسم الله ، ثم مسح ضرعها وذكر اسم الله ، ثم حلبها فملأت إناء كبيرا ، فشربت أم معبد وشرب أصحابه حتى ارتووا ، ثم شرب أخرهم ، وقال : " ساقي القوم أخرهم " ثم حلب الشاة ثانية حتى امتلأ الإناء فتركه عندها ، وغادروا المكان يتابعون مسيرهم ، فأقبل زوج أم معبد بعد رحيلهم ، ورأى إناء اللبن فعجب وسألها عنه . فقالت : مر بي رجل مبارك ، ظاهر الوضاءة ، حسن الخلق مليح الوجه ، فقال زوجها : والله إني لأحسبه صاحب قريش الذي تطلب

الوصول إلى المدينة

علم أهل المدينة المنورة ، بخروج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إليهم مهاجرا ، فكانوا يخرجون من الصباح ولا يعودون حتى المساء ، وهم يتطلعون وصول أشرف خلق الله وأحبهم إليه ، بلهفة شديدة إلى رؤية طلعته البهية ، وعند ظهيرة يوم قائظ {4} ، لاح النور الذي أضاءت له الدنيا ، فانفرجت أسارير الأنصار وهرعوا ، حيث استقبلوه استقبالا يليق بمن نذر نفسه من أجل هداية قومه وانتشالهم من مستنقع الجهالة والعمى ، وهم يرددون هذا النشيد الخالد

من ثنيات الـــوداع طلـع البدر علينـــا
ما دعــــا لله داع وجب الشكر علينـــا
جئت بالأمر المطـاع أيها المبعوث فينـــا
مرحبا يا خــير داع جئت شرفت المدينــة


وقد وصل رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، المدينة يوم الاثنين وفي الخامس عشر من ربيع الأول عام ثلاثة عشر من البعثة النبوية ، وكان له من العمر ثلاث وخمسون سنة


المدينة المنورة

جعل الله سبحانه وتعالى لكل نبي حراما يأوي إليه ، وقد جعل الله تعالى لرسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، المدينة حرما آمنا ، مدينة اشتعلت نورا وضياء يوم دخلها رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، مهاجرا إليها ، وجعل فيها من البركة أضعاف ما جعل في مكة المكرمة ، فالمدينة سيدة البلدان ، وهي دار الهجرة والسنة ، وهي دار الإيمان ، حرسها الله سبحانه وتعالى بالملائكة الكرام فلا تدخلها الخبائث ، فهي تنفي عن نفسها الخبث ، كما ينفي الكير خبث الحديد . ولمدينة رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أسماء عديدة مما يدل على زيادة شرفها وفضلها فمن أسمائها : المدينة ، وقد سماها بهذا الاسم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عند دخولها . فعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم: " أمرت {1} بقرية تأكل القرى {2} ن يقولون يثرب ن وهي المدينة ، تنفي الخبث ، كما ينفي الكير خبث الحديد " . ومن أسائها طيبة وطابة وسميت كذلك لطهارة تربتها ، وقد سماها بهذا الاسم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بقوله : " هذه طابة ، وهذا أحد وهو جبل يحبنا ونحبه " . ومن أسمائها الأخرى : البحرة ، والدرع الحصينة ودار الهجرة وذات النخل ودار الإيمان والقرية والمحفوظة وغيرها من الأسماء . أما اسمها قبل مجيء رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم فهو : يثرب وهو اسم مستقج ، لأنه من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة ، أو من الثرب ، وهو الفساد ، لذلك نهى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عن إطلاق هذا الاسم على المدينة المنورة ، فعن البراء بن عازب ، رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : " من سمى المدينة يثرب ، فليستغفر الله عز وجل ن هي طابة ، هي طابة " . أما ورودها في القرآن الكريم باسم يثرب ، فهو من قول المنافقين ، وذلك كما في قوله

وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا 3

وتقع المدينة المنورة في سهل خصب ، يحيط بها النخيل والمزروعات ، التي تسقى من الآبار ذات المياه الغزيرة ، وأعذب المياه هناك ، مياه أبار العتيق ، أما المسجد النبوي فيقع في وسطها ، وقبر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، شرقي المسجد ، وإلى جانب قبره قبر أبي بكر وعمر بن الخطاب ، رضي الله عنهما ، وكان يسكن المدينة بعض اليهود الذين هاجروا إليها من فلسطين وأشهرهم : بنو النضير ، وبنو قريظة ، وبنو قينقاع ، الذين أقاموا فيها أقاموا فيها الحصون والقصور ، وعملوا مع أهل الحجاز في التجارة على ربا يأخذوه منهم ، أما يهود خيبر وتيماء ووادي القرى ، فإنهم هاجروا من بلاد اليمن ، فبنوا أيضا القلاع والحصون ، أما الأوس والخزرج فهما من أسرة واحدة ، فارقت الغساسنة والناذرة ، بعد خراب سد مأرب ، ونزلت مدينة يثرب ، ثم اختلطت هذه الأسرة مع اليهود ، وتعاملوا معهم وتحالفوا ، إلى أن من الله سبحانه وتعالى عليهم بالإسلام ، بعد أن دبت الخلافات فيما بينهم ، وثارت المعارك ، وكان آخر حروبهم يوم بعاث ، وكان اليهود دور كبير في إشعال نار الفتنة بين أولاد العم ، حتى ملوا الحرب والقتال وتنادى الطرفان لوقف القتال وإعلان الصلح ، واتفقا على تتويج عبد الله بن أبي ملكا عليهم وذلك قبيل دخول رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، المدينة المنورة ، ولكن التتويج لم يحصل ، مما أثار حقد وغضب عبد الله بن أبي ، على رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي منع تتويجه ، فدخل في الإسلام كارها حاسدا ، حاملا الحقد والبغي للمسلمين ، يكيد لهم المؤامرات ، ويسعى للفتنة فيما بينهم حتى لقب برأس المنافقين ، كما ابتلى الله المسلمين في مكة بالمشركين ، كذلك ابتلاهم في المدينة باليهود ، الذين كانوا على خلاف دائم مع العرب ، والذين كانوا يهددونهم بقرب ظهور بنبي جديد ، يؤمنون به ، حيث إنهم كانوا أهل كتاب ، والعرب وثنيون ، فلما جاء رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى المدينة كفروا به ولم يؤمنوا برسالته حسدا وبغيا ، فكيف تكون الرسالة في ولد إسماعيل عليه السلام ؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى في حقهم

وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين 4

ولكن الأوضاع في المدينة انقلبت رأسا على عقب ، بعد دخول رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، واتشار الإسلام فيها ودخول الأوس والخزرج في الإسلام والذي وحد رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، اسمها ولقبها بالأنصار ، فانتشر الأمن والأمان ، وتآخى المهاجرون والأنصار ، وبدأ عهد جديد ، قويت فيه شوكة الإسلام ، وأقام رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، الدعائم المتينة لبدء انطلاق الإسلام وانتشاره في كافة أنحاء الجزيرة العربية ، حتى إن بعض اليهود دخلوا في الإسلام ومن أشهرهم عبد الله بن سلام القينقاعي ، الذي هب إليه مسرعا ، عندما سمع بمقدمه إلى المدينة وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله . وكانت وفود المسلمين تتتالى من مكة هاربة بدينها سرا ، لتلحق رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن جملة هؤلاء الذين لحقوا رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ابنتاه: فاطمة الزهراء وأم كلثوم ، رضي الله عنهما وزوجتاه : سودة بنت زمعة وعائشة بنت أبي بكر ، رضي الله عنهما ، وأمها أم رومان وآل أبي بكر ومعهم أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ، وكان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، قد بعث زيد بن حارثة وأبا رافع ، ليأتيا بهم من مكة ، والذين غادروها ليلا خشية المشركين

مشروعية الآذان

لما اطمأن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بالمدينة واجتمع أمر الأنصار ، استحكم أمر الإسلام ، فقامت الصلاة ، وفرضت الزكاة والصيام ، وقامت الحدود {5} ، وعرف الحلال والحرام ، وتمكن الإسلام في قلوبهم وقد كان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، حين قدم المدينة ، يجتمع إليه الناس للصلاة لحين مواقيتها ، بغير دعوة ، فأراد النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يجمعهم بعلامة تكون لهم ، فأشار بعضهم عليه أن يتخذ البوق فكرة ، وأشار آخرون بالناقوس فكرهه أيضا ، وأشار غيرهم برفع راية أو بإشعال النيران ، فكره هذه أيضا لأنها لا تفيد النائم أو الجالس في بيته ، فبينما المسلمون على ذلك في حيرة من أمرهم ، إذ أتى عبد الله بن زيد فقال : يا رسول الله ، مر بي رجل وأنا نائم عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده فقلت له : يا عبد الله ، أتبيع هذا الناقوس ؟ قال : وما تصنع به ؟ قلت : ندعو به إلى الصلاة ، قال : أفلا أدلك على خير من ذلك ؟ فقال : الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا اله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . فلما سمع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إنها لؤيا حق ، إن شاء الله " ثم أمره رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوم بلال الحبشي ، ليؤذن بها ، لأن بلالا رضي الله عنه ، كان أجمل صوتا من عبد الله بن زيد ، وكان لرسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : مؤذنان وهما: بلال الحبشي ، وعبد الله بن أم مكتوم الفهري القرشي ، وكان بلال يزيد في أذان الفجر بعد حي على الفلاح : الصلاة خير من النوم مرتين ، فأقره رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ، وأمر عليه الصلاة والسلام بأذانين في شهر رمضان ، الأول لإيقاظ النائمين ، وتذكير الغافلين ، والثاني لدخول الوقت وأداء الصلاة بعده

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

ترك المهاجرون مكة المكرمة فرارا بدينهم وهربا من العذاب الذي لحق بهم ، بعد أن خلفوا كل شيء وراءهم ، فقد تركوا أموالهم ، بل ومنهم من افتدى نفسه بالمال ، وتركوا أهليهم ، وانتقلوا إلى مكان غريبين عنه ، فنظر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ورأى ما أحل بأصحابه من الكآبة والحزن ، وما أصيبوا من وحشة ووحدة ، فهم قد نزلوا ضيوفا على الأنصار ، فإلى متى يحلون ضيوفا عندهم ؟ ولهذا كله ، فقد جمع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أصحابه من المهاجرين والأنصار ، في بيت أبي طلحة الخزرجي ، وآخى بينهم ، لتذهب عنهم وحشة الغربة وليؤنسهم عن مفارقة الأهل والوطن والعشيرة ، ويشد بعضهم أزر بعض ويتوارثون بعد الممات دون الأرحام ، وبهذا وصل الرسول الكريم ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى مجتمع متعاون متكافل متضامن ، تسوده المحبة والأثرة ، وتنتفي منه الضغينة والأنانية ، هذا وقد آخى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بين أبي بكر رضي الله عنه ، وخارجة بن زيد ن فأصبحا أخوين ، وبين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، وأوس ابن ثابت ، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك ، وبين الزبير بن العوام وسلمة بن سلامة ، وبين سعيد بن زيد وأبي بن كعب ، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، وبين أبي عبيدة بن الجراح وأبي طلحة الأنصاري ، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب ، وبين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة ، وبين جعفر بن أبي طالب وهو بالحبشة وبين معاذ بن جبل ، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان ، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء وغيرهم ، ثم دخل علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ،فقال : يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد ؟ فأخذ رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بيده ، وقال له : " أنت أخي في الدنيا والآخرة " . وقد رضي الأنصار عن قناعة وإطمئنان ، بما فعل رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فأكرموا المهاجرين إكراما عظيما ، حيث آثروهم على أنفسهم ، وضربوا بذلك أروع الأمثلة في التضحية والإيثار فهم قد رفضوا أن يشاركوا المهاجرين في الغنائم ، عندما عرض عليهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ،أن يقسموا للمهاجرين في دورهم وأموالهم لهم ، ويقسم الغنائم بين الجانبين بالتساوي ، أو تبقى دور الأنصار وأموالهم لهم ، ويعطي الغنائم للمهاجرين . فما كان رضهم رضي الله عنهم ؟ أجابوه بقولهم : يا رسول الله ، نقسم لهم ي ديارنا وأموالنا ، ولا نشاركهم في الغنائم ، فأنزل الله سبحانه وتعالى في مدحهم قوله

والذين تبوؤا الدار (1) والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا تجدون في صدورهم حاجة (2) مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (3) ومن يوق (4) شح نفسه فأولئك هم المفلحون 5

ومن صور الأثرة والتضحية بالمال ، ما فعله الأنصاري سعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنهما ، فقد انطلق سعد ، بعد أن آخى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ، إلى داره وقال له : يا عبد الرحمن ، أنا أكثر أهل المدينة مالا وأقلهم عيالا ، فانظر إلى أي شطر {6} من مالي فخذه ثم انظر إلى امرأتي هاتين ، أيتهما تعجبك حتى أطلقها فتتزوج بها ، فقال عبد الرحمن بن عوف : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلوني على السوق ، فدلوه ، فذهب إليه وباع واشترى حتى ربح ربحا وفيرا فأثرى واغتنى . أما التوارث بين المهاجرين والأنصار ، فقد نسخ بعد معركة بدر في السنة الثانية بقوله تعالى

وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم 7

وبقيت فيما بينهم المودة والمحبة والإخاء والتعاون على الحق والنصر ، والأخذ على يد الظالم . وكان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، يؤاخي بين المهاجرين والأنصار ، كلما أتى إلى المدينة بعض المهاجرين ، فالمؤاخاة لم تقع دفعة واحدة ، إلى أن عز الإسلام واجتمع شمل المهاجرين ، وذهبت الوحشة عنهم . لكن صفاء الجو هذا بين المهاجرين والأنصار ، لم يكن يخلو من كدر أو هم وحزن ، سببه اليهود المقيمون في المدينة ن والذين حسدوا محمدا ، صلى الله عليه وآله وسلم ، حسدا عظيما فأضمروا الشر والخديعة ، وحاولوا بعث الفتنة من جيدي بين الأوس والخزرج لولا أن تداركهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بقوله لهم : " الله الله يا معشر المسلمين ن اتقوا الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام ؟ " كما أسلم بعضهم نفاقا ليعيثوا فسادا في جسد المسلمين ، وساعد هؤلاء اليهود جماعة من عرب المدينة المنورة ، الذين أظهروا إسلامهم ، وأضمروا كفرهم وعداءهم للإسلام ولرسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى رأس هؤلاء : عبد الله بن أبي الخزرجي ، لكن الله عز وجل كشف زيف إيمانهم ، وعراهم على حقيقتهم ، بقوله تعالى

إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقون لكاذبون اتخذوا إيمانهم جنة (8) فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون 9

الإذن بالقتال ومشروعيته

لم يكن القتال قبل هجرة رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة وذلك إن الله تعالى أراد أن يمهل المشركين ، ويتيح الفرصة لهم ، عسى أن يرعووا ويعودوا إلى رشدهم وصوابهم ، ويدعوا عبادة الأوثان والأصنام ، إلى عبادة الواحد الأحد . ولهذا نزلت آيات كثيرة تذكر المشركين وتخوفهم من عذاب يوم آت لا محالة ، كقوله تعالى

وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد 1

كما نزلت آيات تدعو رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى الصبر وعدم العجلة ، كقوله تعالى

فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم 2

ولما طلب عدد من صحابة رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، كسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ، وغيرهم بعد أن ازداد عددهم في مكة ، أن يؤذن لهم بقتال المشركين ، رد عليهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : " كفوا أيديكم عنهم فإني لم أومر بقتالهم " . فلما هاجر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى المدينة المنورة ، وكثر المسلمون وازدادوا ، ودخل الأنصار في الدين الجديد ، الذين عاهدوا رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، على النصرة والعون ، وبقي المشركون على عنادهم وكفرهم وعادتهم للأوثان ، واستمرارهم في ملاحقة المسلمين وتعذيبهم ، أذن الله تعالى للمسلمين أن يقاتلوا المشركين ، ليردوا عن أنفسهم كيدهم وشرهم . بقول الله سبحانه وتعالى

أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير 3

كما أباح الله تعالى للمسلمين أن يقاتلوا المشركين في أي مكان شاؤوا حيث يقول جل جلاله

وأقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل 4

إلا أن الله عز وجل نهى المسلمين عن قتال المشركين عند المسجد الحرام إلا إذا قوتلوا حيث يقول سبحانه وتعالى

ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين 5

أما اليهود ، فقد لجؤوا إلى الدسيسة والفتنة ، وخانوا العهود التي قطعوها على أنفسهم وساهموا مع المشركين في الإيقاع بالمسلمين والمكر بهم ، ولهذا أمر الله تعالى المسلمين أن يقاتلوا اليهود حتى يدخلوا في الدين الجديد أو يدفعوا الجزية حيث يقول سبحانه وتعالى بحقهم

وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ (6) إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين 7


--------------------------------------------------------------------------------


السرايا والغزوات

بدأ رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد أن استقر في المدينة المنورة ، وجعلها قاعدة لانطلاق جيوشه ، باعتراض قوافل قريش التجارية ، سواء تلك التي تخرج من مكة ، أو تلك التي تقدم من الشام ، فيعمل على مصادرتها ، وذلك عقابا لهؤلاء الذين نكلوا بالمسلمين وعذبوهم ، ولإضعاف قوتهم الملية وليوض للمهاجرين بعض ما تركوه في مكة من مال ، ففي السنة الأولي من الهجرة ، وفي شهر رمضان المبارك ، بعث النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عمه حمزة بن عبد المطلب ، رضي الله عنه ، على رأس ثلاثين رجلا من المهاجرين في سرية {1} ليعترضوا قافلة لقريش عائدة من الشام إلى مكة وعلى رأسها أبي جهل عمرو بن هشام ، لكن السرية تلك عادت إلى المدينة دون قتال ، بعد أن حجز مجدي بن عمرو الجهني بين الفريقين ومنع قتالهم ، فشكر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، صنيع مجدي بن عمرو ، وذلك لقلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين الذين كانوا يبلغون ما يزبد عن ثلاثمائة رجل . وبعد شهر واحد ، بعث النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين رجلا من المهاجرين لملاقاة قافلة تجارية للمشركين كان على رأسها أبو سفيان بن حرب الأموي ، وتتألف من مئتي رجل ، وأخذ الطرفان يتبادلان رماية السهام والرماح ، حتى انهزم المشركون خشية أن يكون للمسلمين كمين ، وفي هذه المعركة كان سهم سعد بن أبي وقاص أول سهم أطلق في الإسلام ، وعاد المسلمون إلى المدينة سالمين ، بعد أن التحق بهم : المقداد بن الأسود الكندي ، وعتبة بن غزوان المازني ، واللذين أسلما فرضي الله عنهما ، كما بعث رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد شهر واحد أيضا سرية بقيادة سعد بن أبي وقاص ، في عشرين من المهاجرين ، لاعتراض قافلة تجارية لقريش ، إلا أن هذه السرية عادت إلى المدينة دون قتال وذلك لأن القافلة التجارية قد فاتتهم . وفي السنة الثانية للهجرة ن تابع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، تصديه للمشركين وقوافلهم التجارية ، فكان أن قاد بنفسه أربع غزوات {2} ، ما عدا سرية واحدة أعطى قيادتها لعبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه . ففي شهر صفر من السنة الثانية للهجرة ، عقد النبي ن صلى الله عليه وآله وسلم ، اللواء الأبيض وسلمه لحمزة بن عبد المطلب ، وجعل سعد بن عبادة الخزرجي على المدينة وخرج في ستين رجلا من المهاجرين . لاعتراض المشركين ، ولما وصل إلى " ودان " {3} كانت قافلة قريش فاتته فلم يحصل قتال ، لكن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عقد صلحا مع بني ضمرة ، على أنهم لا يغزونه ولا يعينون عليه عدوا ، وبالمقابل فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم . كذلك خرج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الأول ، مع مئتي رجل من المهاجرين ليعترض قافلة تجارية ، عليها أمية بن خلف في مائه رجل ن فلم يراها لأنها قد فاتته ، فعاد من هذه الغزوة ن التي سميت بغزوة " بواط " {4} إلى المدينة بحفظ الله ورعايته . وفي غزوة " العشيرة " {5} ، خرج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، في جمادى الأولى ي مئة وخمسين رجلا من المهاجرين ، ليعترض عيرا لقريش ن عليها أبو سفيان بن حرب الأموي ، وغيره من المشركين ، حتى وصل العشيرة ، فلم يجد هذه القافلة التجارية ، لأنها غادرت المكان قبل وصوله ، والتي كانت السبب المباشر لحرب يوم بدر الكبرى . وفي جادى الثانية ، خرج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، في بعض أصحابه ، في طلب كرز بن جابر الفهري ، الذي غزا المدينة وسرق ماشيتها ، حتى وصل إلى " صفوان " {6} لكن كرز استطاع الفرار فعاد رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم دون حرب . وبعد عودة رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، من غزوة بدر الأولى وفي شهر رجب ، بعث عبد الله بن جحش في سرية ، عدد رجالها ثمانية فقط ، وزوده بكتاب ، أمره أن لا ينظر فيه إلى بعد مسيرة يومين ، وخرج عبد الله ومعه رفاقه حتى مضت المدة ففتح الكتاب ، وإذ به يأمره أن ينزل " نخلة " {7} ليرصد قريش ويعلم أخبارها فقط ، وفي نخلة مرت بهم قافلة قريش ، فيها عمرو بن الحضرمي وغيره ، فأطل عليهم أحد المسلمين فرآه المشركون ن فقالوا : إن هؤلاء معتمرون ، فاتفق عبد الله بن جحش مع أصحابه على قتال المسلمين في الشهر الحرام ، فكان إن انهزم المشركون ن وغنم المسلمون تجارتهم وأسروا رجلين ن وعندما عاد عبد الله بن جحش إلى المدينة ، وأعلم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بما كان ، استنكر عمل عبد الله ن لأنه لم يأمره بقتال المشركين ، أما قريش فقد قالت : إن محمدا وأصحابه أستحلوا الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، لكن الله سبحانه وتعالى أيد عبد الله وأصحابه فأنزل قوله

يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ؟ قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل 8

فقبض عندئذ رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول الحكم الإلهي الغنائم والأسيرين


غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان

خرج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه من المهاجرين وأنصار وعددهم لا يتجاوز ثلاثمائة رجل لملاقاه قافلة تجارية ، كان على رأسها أبو سفيان الأموي ، وهي عائدة من الشام ، ولما عرف أبو سفيان بخروج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، استأجر " ضمضم بن عمرو الغفاري " ليستنفر قريشا لنجدة القافلة ن وخرجت قريش بعد أن أخذت استعدادها ، ولم يتخلف من أشرافها إلا : أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، على رأس جيش مؤلف من ألف رجل بين راجل وفارس ، وتمركز جيشها بالعدوة القصوى ، أما رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم فقد تابع سيره حتى نزل في واد اسمه " ذفران " ، وهناك استشار رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أصحابه في طلب العير والنفير ، وكان العير أحب إليهم لشراء الخيل والسلاح ، حتى قال بعضهم : هلا ذكرت يا رسول الله لنتأهب له ؟ إنا خرجنا للعير ، فعليك بها ودع عنك النفير ، فأنزل الله تعالى قوله في عتابهم

كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون 1

وعندئذ تكلم عدد من الصحابة ، ومن بينهم القداد بن الأسود الكندي رضي الله عنه قال ك يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك فو الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ن ولكنا نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، وكذلك وقف سيد الأوس : سعد بن معاذ قائلا: امض يا رسول الله فنحن معك ، عندئذ اطمأن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فاتجه بجيشه نحو بدر {2} حتى نزل قريبا منها ، وهناك قبل رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، رأى أحد الصحابة ، فنزل على أقرب ماء ، وردمت الآبار الأخرى ، كي لا يستفيد منها العدو ، ثم جمع بعض المعلومات عن جيش قريش ، وفي اللحظة الحاسمة ، وفي السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ، احتمت المعركة بين جيش المسلمين وجيش المشركين ، وكانت قد بدأت المبارزة ، فقد بارز عبيدة بن الحارث عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة بن عبد المطلب شيبة بن ربيعة ، وبارز علي بن أبي طالب الوليد بن عتبة ، فقتل هؤلاء المشركون على يد الأبطال المسلمين ، ودارت الدوائر على المشركين ، وأنزل الله سبحانه وتعالى ملائكته ، ليعينوا المسلمين في قتالهم ، حيث يقول سبحانه وتعالى

إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين 3

وانهزم المشركون وقتل من قتل ن وأسر من أسر ، وكان عدد قتلى المشركين سبعين رجلا وعدد أسراهم سبعين أيضا ، وهكذا نصر الله عز وجل المؤمنين ، رغم قلة عددهم ، إذ يقول سبحانه وتعالى

ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة (4) . صدق الله العظيم 5

وغنم المسلمون غنائم عظيمة ، وعادوا إلى المدينة يلهجون بحمد الله وشكره ن ثم افتدت قريش أسراها بالمال ، ومن لم يكن معه المال ، أعطوه عشرة صبيان من المسلمين ليعلمهم القراءة والكتابة أما قريش فقد عادت إلى مكة تجر أذيال الخيبة والهزيمة ، بعد أن فقدت أرافها وقادتها ، هذا وقد فقد المسلمون في تلك المعركة الحاسمة أربعة عشر شهيدا من بينهم : عبيدة بن الحارث بن المطلب ، وعمير بن أبي وقاص ، وصفوان بن وهب الفهري

غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان

غلت قلوب مشركي المدينة ويهودها حقدا وغيظا ن بعد النصر المؤزر الذي حققه المسلمون في معركة بدر ، فأخذ يهود بني قينقاع {1} يطلقون الإشاعات الكاذبة ، ويسيئون إلى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يكتفوا بذلك بل نبذوا العهود ، وخانوا الوعود ، ورفضوا دعوة رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى الإسلام ، وأخذوا يفاخرون بقوتهم ، وبأن المسلمين غير قادرين على قتالهم ن فهم أهل قوة وبأس ، وأصحاب مران وخبرة ، لا كقوم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم لا علم لهم بالحرب ولهذا أنزل الله سبحانه وتعالى فيهم

وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين 2

عندئذ تبرأ منهم عبادة بن الصامت الذي كان حليفهم ، أما حليفهم الثاني : عبد الله بن أبي رأس المنافقين ، فقد دافع عنهم وطلب من رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم أن يصفح عنهم ، وذلك عندما حاصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة ، وقال له : أتقتل سبعمائة رجل منعوني ودافعوا عني ؟ فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم: " هم لك لا بارك الله لك فيهم " والتفت إلى أصحابه وقال لهم : " خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم " . وهكذا خرج يهود بني قينقاع من المدينة المنورة بعد أن تركوا أموالهم غنيمة للمسلمين ، وذهبوا إلى أذرعات {3} حيث لم يمض عليهم العام حتى هلكوا جميعا ببركة دعاء النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم

غزوة أحد

حاول المشركون بعد هزيمتهم المنكرة في بدر ، وخاصة أولئك الذين قتل آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ، أن ينتقموا ويأخذوا بثأر قتلاهم ، فمشوا إلى أبي سفيان بن حرب يطلبون منه المعونة على حرب محمد ، صلى الله عليه وآله وسلم . فجمعت قريش جموعها ومن انضم إليهم من العرب ، وخرجوا ومعهم كثير من النسوة مثل هند بنت عتبة ، وأم حكيم بنت الحارث ، وفاطمة بنت الوليد وغيرهن ، ليحرضوا المشركين ويحثوهم على القتال ، ولما سمع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بخروج المشركين على رأس آلاف مقاتل بقيادة أبي سفيان بن حرب الأموي ونزولهم عند أحد استشار أصحابه ، أيخرج إليهم أم يبقى في المدينة ؟ لكنهم فضلوا الخروج وخاصة أولئك الشباب المتحمسون الذين لم يحضروا بدرا ، فوافقهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وخرج إليهم متقلدا سيفه ن لابسا درعه ، واتجه بجيشه المؤلف من ألف مقاتل إلى أحد ، وفي الطريق استعرض جيشه فرد الصغار منه ، مثل عبد الله بن عمر ، وأسامة ابن زيد ، وزيد بن أرقم ، وأبو سعيد الخدري ... وقبل وصوله إلى أحد تخاذل بعض المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي فانسحب ومعه ثلاثمائة رجل ، فأصبح عدد المسلمين سبعمائة رجل فقط ، ومضى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى وصل إلى أحد فانتقى خمسين راميا من جنده ، وأمرهم أن يرتفعوا إلى جبل عينين أو جبل الرماة ، وذلك ليحموا ظهور المسلمين ، كما أكد لهم أن يبقوا مكانهم لا يبرحونه ، حتى وإن هزم المسلمون أو انتصروا ، وتقدم الجيش حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ، وعمر بن الخطاب ، والزبير بن العوام وغيرهم من الأبطال الصناديد رضي الله عنهم وهؤلاء من المهاجرين ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وغيرهم من الأنصار ، أما جيش المشركين فقد كان على ميمنته قائد سلاح الفرسان خالد بن الوليد ، وعلى ميسرته عكرمة ابن أبي جهل ، أما قائد المشاة فكان صفوان ابن أمية ، وقارماة النبال عبد الله بن ربيعة ، واحتدمت المعركة بين جيش الحق ، وعلا صهيل الخيول ، وارتفع صوت قعقعة السلاح ، ثم دب الذعر والخوف في صفوف المشركين ، وتخاذلوا على كثرتهم أمام المسلمين على قلتهم وولوا هاربين ، بعد أن قتل من قتل منهم من رؤوس الكفر والطغيان ، لكن المسلمين ورغم النصر المبين الذي حققوه ، شعروا بالحزن والكآبة عندما فقدوا بطلا من أعظم أبطالهم هو أسد الله : حمزة بن عبد المطلب ، عم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي قتله رجل يسمى وحشي غدرا وغيلة ، والذي سارع ليخبر هندا بنت عتبة التي قدمت إليه ، وبقرت بطنه وأخرجت أمعاءه ، ولاكت كبده ، وشارفت المعركة على الانتهاء ، عندما بدأ المسلمون يطاردون فلول الأعداء ، ويجمعون الغنائم ، فلما رأى الرماة في أعلى هذا النصر وانهزام المشركين ، تركوا أماكنهم ، وانطلقوا يجمعون الغنائم ن مخالفين أمر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما رأى خالد بن الوليد نزول الرماة ، عاد بجيشه ، مطوقا جيش المسلمين من الخلف ، فدبت الفوضى في صفوف المسلمين ، وقتل أحد المشركين مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين ، ثم أخذ يصيح : لقد قتلت محمدا ، وعندما شاع النبأ بين صفوف المسلمين ، ارتبكوا وتزعزعوا ، وهم بعض المسلمين بالرجوع إلى المدينة ، لولا صعود رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى جبل ينادى : " أنا رسول الله " ، عندئذ عادت الحمية إليهم وكروا على المشركين يدافعون عن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ويحمونه بأجسادهم ، عندما تركزت هجمات المشركين على رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، يريدون قتله ، فكسرت رباعيته اليمنى وشقت شفته ، وجرحت وجنته وسال الدم الطاهر على وجهه الكريم ، ولم ينقذ الموقف إلى الفارس البطل علي بن أبي طالب ، الذي فرق جموع المشركين ، وسعد بن أبي وقاص الذي رمى ألف سهم عليهم ، ثم بدأ المسلمون يلملمون جموعهم عائدين إلى المدينة المنورة ، بعد أن فقدوا عدد من الصحابة الكرام أمثال: حمزة بن عبد المطلب ، وعبد الله بن جحش ، ومصعب بن عمير ، وسعد بن الربيع ، وجميع الرماة وقائدهم عبد الله بن جبير وغيرهم وكان ذلك في الخامس عشر من شوال من السنة الثالثة للهجرة النبوية

غزوة الخندق

ملأ الحقد قلوب اليهود من بني قينقاع وبني النضير ، عندما طردهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة المنورة ، وازدادوا حقدا بعد الانتصارات المتلاحقة التي حققها المسلمون ، فلجؤوا إلى المكيدة الخداع وحياكة المؤامرات ورأوا أن كل قبيلة بمفردها لا تستطيع محاربة المسلمين فشكلوا وفدا ذهب إلى أبي سفيان ، واتفقوا معه على ضرورة التخلص من الدعوة الإسلامية وأهلها ، ثم اتجهوا نحو القبائل العربية ، يوغرون صدورهم ويملؤه بالعداوة والبغضاء على النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وأصحابه ن واستطاعوا تشكيل جيش عرف باسم الأحزاب ، مؤلف من ستة آلاف مقاتل ، ولما سمع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، نبأ المشركين وتحزب الأحزاب ، جمع أصحابه من مهاجرين وأنصار ومن بينهم سلمان الفارسي ن وطلب منهم المشورة ، عندئذ قام سلمان الفارسي وعرض على رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يحفر المسلمون خندقا حول المدينة ، يمنع المشركين من احتلال المدينة أو دخولها ، فلاقت هذه الفكرة استحسانا من رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمر بحفر الخندق ، وساهم المسلمون جميعا بهمة عالية ، في حفر الخندق ، وكان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، يحفر بنفسه ، حتى صادفته صخرة قاسية ن عجز المسلمون عن تحطيمها ، فأمسك رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، المعول ، وقال : " باسم الله " ثم ضربها ضربة ، فخرج منها نور شديد ، ثم ضربها الضربة الثانية ، فتفتت ، ثم وبعد انتهاء حفر الخندق ، أصبحت المدينة كالحصن الحصين ، جلس خلفها ألف مقاتل ، ينتظرون قدوم الأحزاب ، وفي الخامس من شوال من السنة الخامسة للهجرة ، تقدم جيش الأحزاب المؤلف من عشرة آلاف مقاتل ، بعد أن انضم إليه أربعة آلاف قرشي ، ودهشوا عندما رأوا الخندق يحيط بالمدينة كما يحيط السوار بالمعصم ، فباءت خططهم بالفشل ، إلا أنهم قرروا حصار المدينة ، ولم يبق أمامهم أمل لدخول المدينة ، سوي بني قريظة ، الذين نقضوا العهود والمواثيق ، فبات المسلمون في خطر محدق ، إلا أن الله سبحانه وتعالى رد كيد بني قريظة إلى نحورهم عندما خافوا من جيش المسلمين ، وخشوا أن يحل بهم مثلما حل ببني النضير وبني قينقاع ، ثم دارت بين المتحاربين مناوشات بالنبال والسهام ، واقتحم عدد من المشركين الخندق ، إلا أن أبطال الإسلام ، كعلي بن أبي طالب وغيره كانوا لهم بالمرصاد ، ويئس المشركون من طول الحصار دون أن يتمكنوا من دخول المدينة ، وخاصة بعد فقدان الثقة بين قريش وبني قريظة ، حتى توقع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أن ينسحب المشركون بين لحظة وأخرى ، إلا أن الله سبحانه وتعالى أجبرهم على الانسحاب ، بعد أن أرسل عليهم ريحا عاتية ، اقتلعت خيامهم وقلبت قدورهم ، وأعمت عيونهم ، فبدأ الخوف والجزع ، ، يدب في أوصالهم ، فما كان من قائد هم الأعلى أبو سفيان بن حرب ، إلا أن سارع في الانسحاب ، عائدا إلى مكة يجر ذيول الخيبة والخسران ، هذا وبعد خروج الأحزاب توجه رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى بني قريظة ، لمعاقبتهم فحاصرهم في حصونهم حتى استسلموا ، فخرجوا صاغرين {4} ، فحكم عليهم سعد بن معاذ بالقتل ، ونفذ هذا الحكم العادل ، في سبعمائة يهوي أو يزيد . وهكذا كفى الله المسلمين القتال وغلب الأحزاب وحده ، هذا وقد اشترك المسلمون في غزوات أخرى ، في السنة السادسة من الهجرة حتى كانت غزوة الحديبة ، ثم تلاها غزوات وسرايا أخرى ، حتى كان يوم الفتح المبين


--------------------------------------------------------------------------------


مراسلة الملوك والأمراء

بعد غزوة الحديبية ، والتي جرت في السنة السادسة للهجرة ، والتي أراد فيها رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يزور بيت الله الحرام ، ولم يأت إليه مقاتلا بل جاء إليه معتمرا ، ومبايعة {1} بني النجار من الخزرج لرسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، على القتال حتى الموت ، خشيت قريش أن يحصل مالا يحمد عقباه فرضيت بالصلح الذي نص : أن يرجع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، هذا العام من غير عمرة ، على أن يأتي العام المقبل ، وأن لا تقع حرب بين الجانبين لمدة عشرة سنوات ، وأن يرد محمد من يأتيه مؤمنا إلى قريش ن فإذا ارتد مؤمن عن الإسلام فعلى أهل مكة أن يتركوه فيما بينهم ولا يردوه ، وإذا أرادت القبائل أن تدخل في حلف مع محمد فلتدخل دون معارضة من قريش ، وإذا أرادت أن تدخل في حلف مع قريش فلتدخل دون معارضة من محمد ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عندئذ عاد رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، بعد أن حقق فوزا مؤزرا ، وبعد غزوة الحديبية هذه ، التفت المسلمون ن بعد أن أمنوا شر المشركين والمنافقين ، إلى نشر الدعوة الإسلامية ، في العالم الخارجي عن قريش ، فبعث رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد أن اتخذ خاتما لختم رسائله ، إلى الملوك والأمراء ، يدعوهم إلى الإسلام ، وبدأ بقيصر الروم قائلا له

بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من أتبع الهدى ، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم ، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإنما عليك أثم الأريسيين {2} ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون


ثم توجه رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى أمير بصرى ، فخرج الحارث حتى بلغ مؤتة ، فتعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني ، بعد أن عرف أنه رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فقتله ، كما وجه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، كتابا إلى أمير دمشق من قبل الروم ، دعاه فيه إلى الإسلام ، ثم بعث رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عبد الله بن حذافة بكتاب إلى كسرى أبرويز ملك الفرس قال فيه

بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس ، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله ، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، أدعوك بدعاية الله عز وجل ، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ن أسلم تسلم ، فإن أبيت فعليك إثم المجوس


كذلك أرسل رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، كتبا مماثلة إلى النجاشي ملك الحبشة ، وإلى هوذة بن علي ملك اليمامة ن وإلى المنذر التميمي ملك البحرين ، وإلى المقوقس عظيم القبط في مصر ن الذي أرسل مع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، مجموعة من الهدايا وجاريتين بينهما مارية القبطية التي تزوجها رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنجب منها إبراهيم ، الذي توفي ولما يتجاوز السنتين . وهكذا استطاع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، من خلال هذه الرسائل ، أن يحقق مكاسب جديدة ، فمن هؤلاء الذين أرسل لهم من دخل في الإسلام ، ومنهم استطاع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، من خلال ردهم على رسائله ، أن يعرف سياسة هؤلاء الملوك والأمراء نحوه . والذين أطيح بهم جميعا فيما بعد

غزوة خيبر

في شهر محرم من السنة السابعة الهجرية ، خرج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، على رأس ألف وأربعمائة مقاتل ، بعد أن سلم الراية لسعد بن عبادة سيد الخزرج ، يريد غزو خيبر ، التي كان أهلها من اليهود الذين فروا إليها بعد غزوة بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة ، والذين أخذوا يحرضون العرب ويحالفونهم ، أمثال قبيلة غطفان ، على حرب النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وما إن وصل جيش المسلمين إلى حصون خيبر ، حتى أرتفعت أصواتهم بالتكبير والدعاء ، ولما رأى بعض اليهود ، جيش محمد وهو يحاصر قريتهم ، انطلقوا هاربين إلى حصونهم فنادى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : " الله أكبر ، خرجت خيبر ، الله أكبر هلكت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " . ثم بدأت المعركة بين الجانبين ، واستطاع المسلمون أن يقتلوا أحد قادة اليهود وهو : سلام بن مشكم ، وأن يفتحوا بعض الحصون ، ثم أعطى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، الراية إلى علي بن أبي طالب ، وتوجه لفتح باقي حصون اليهود ، وهناك في ساحة الوغى ، جندل {3} علي بن أبي طالب ، عددا كبيرا من فرسان اليهود وأبطالهم ، حتى استطاع المسلمون دخول حصون اليهود وفتحها ، عندئذ نزل كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، صاحب حصن القموص ، وطلب الصلح من رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فقبله على أن يجلى اليهود ويطردوا ، وأن يأخذوا معهم من الأموال ما تستطيع حملها جمالهم ، أما الباقي فتبقى غنيمة المسلمين ، وبعد استقرار النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، في خيبر تقدمت إليه : زينب بنت الحارث ، وزوجة سلام بن مشكم ، وقدمت إليه : ذراع شاة مسمومة ، انتقاما منه لقتل زوجها وأخيها وأبيها قائد اليهود الحارث بن أبي زينب ، وما إن وضع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم اللقمة في فمه ، حتى أخبره العظم بأنها مسمومة ، فلفظ رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم اللقمة قبل أن يبتلعها ، كذلك أمر أصحابه أن يلفظوا ما أكلوه ، إلا أن بشر بن البراء ابتلع اللقمة فمات ، رضي الله عنه وعندما استدعى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، زينب وسألها عن سبب فعلتها النكراء تلك ، أجابت بقولها : إن كنت نبيا حقا يطلعك الله تعالى ، وإن كنت ملكا كاذبا أرحت الناس منك ، ولما أطلعك الله عرفت أنك نبي مرسل ، وها أنا ذا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله . فعفا عنها ، وكذلك عفا عنها أولياء بشر بن البراء


--------------------------------------------------------------------------------

عمرة القضاء

عندما دخل شهر ذي القعدة ، في العام السابع للهجرة ن أخذ رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بالاستعداد للذهاب إلى مكة المكرمة ، ليعتمر عمرة القضاء {1} في الشهر الذي صده فيه المشركون بالحديبية في العام السادس من الهجرة من قابل ، ثم أمر ألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية ، وخرج ، بعد أن أحرم من باب مسجده الشريف ، في ألفي رجل ، واختار مئة فرس ، وأخرج منها مفرزة ، جعل قيادتها لمحمد بن مسلمة الأوسي ن وبذل سعد بن عبادة سيد الخزرج ، أموالا كثيرة لإطعام المعتمرين ، وبدأ المسلمون بالتلبية ومعهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم يقولون : لا إله إلا الله ، صدق وعده ، ونصر عبده ن وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، ودخل رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى الحرم ثم طاف ومعه المسلمون يطوفون حول البيت سبع مرات ، ثم خرج إلى الصفا وسعي بينه وبين المروة ، ثم رأسه ونحر هديه ، وأتم المسلمون طوافهم بالبيت آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين كما قال تعالى

لقد صدق الله رسوله بالرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا (2) قريبا 3

وأقام رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، في مكة المكرمة ثلاث أيام ، حسب شرطه مع قريش في الهدنة المعقودة بينه وبينهم في الحديبية ، ولم يمهله المشركون ، حتى يتم زواجه من ميمونة في منطقة سرف القريبة من مكة المكرمة . ومن ثم رجع إلى المدينة المنورة

غزوة الفتح الأعظم

سبق هذه الغزوات أخرى ، إلا أن أهم غزوة سبقت غزوة الفتح الأعظم ، هي غزوة مؤتة {4} ، وذلك أن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، غضب غضبا شديدا عندما قتل شرحبيل بن عمرو الغساني رسول النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى أمير بصرى ن في السنة السادسة للهجرة . فصبر عليه الصلاة والسلام حتى تهيأت له أسباب القصاص ، عندئذ ، حض المسلمين على الخروج ، فاجتمع له ثلاثة آلاف مقاتل ، ووقف فيهم قائلا : " زيد بن حارثة أمير الناس ، فإن أصيب زيد فالأمير جعفر بن أبي طالب ، وإن أصيب جعفر فالأمير عبد الله بن رواحة ، وإن أصيب عبد الله فليرتض المسلمون رجلا من بينهم " . ثم أمرهم بأن يدعوا الناس هناك للإسلام ، فإن رفضوا قاتلوهم ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم قبل رحيل الجيش : " أويكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا غزوا باسم الله في سبيل الله ، فقاتلوا من كفر بالله ، ولا تغدروا ولا تغلوا ، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ، ولا كبيرا فانيا ، ولا منعزلا بصومعة ، ولا تقربوا نخلا ، ولا تقطعوا شجرة ، ولا تهدموا بناء ، وإذا لقيتم العدو فادعوه إلى الإسلام فإن قبلوه فأخبروهم ما لهم وما عليهم ، وإن أبوا فاستعينوا بالله عليهم وقاتلوهم ..... " . وانطلق جيش المسلمين حتى وصل إلى مؤتة ، فلما سمع شرحبيل بن عمرو الغساني بمقدم جيش المسلمين ، قام وجمع أكثر من مئة ألف محارب من الروم ، وضم إليهم خمسين ألف من القبائل العربية المنتصرة ، وخلف الجميع كان هرقل نفسه ، يراقب سير الأحداث . وكانت ساعة الصفر ، حيث بدأ القتال بين قوتين غير متكافئتين عددا وعددا ، فاستشهد زيد بن حارثة طعنا برماح الروم ، فأخذ اللواء جعفربن أبي طالب ، وخاض غمار الحرب ببسالة منقطعة النظير ، حتى جاءته ضربة قطعت يمينه ، فأخذ اللواء بشماله ، فجاءته ضربة أخرى قطعت شماله ، فحمل اللواء بعضديه حتى استشهد ، فأخذ اللواء عبد الله بن رواحة ، وخاض المعركة القاسية التي يشيب من هولها الغلمان ، حتى استشهد ن وسقط اللواء ، فهرب المسلمون ، إلا أنهم عادوا عندما رفع الراية خالد بن الوليد {5} ، رضي الله عنه ، الذي استطاع بحنكته الحربية ، أن يجمع شمل المسلمين وينقذهم ، بعد أن قرر الانسحاب من هذه المعركة الغير متكافئة ، وشكل قوة لحماية الانسحاب ، وعندما نظر الروم إلى جيشه الذي عاد ثانية إلى القتال ظنوا بأن المدد قد وصل إلى المسلمين ، فدخل الرعب إلى قلوبهم ، ثم رجع خالد بن الوليد بالمسلمين إلى الوراء ، ورجع الروم ، وكفى الله المسلمين شر هذه المعركة ، وعادوا إلى المدينة بالنصر المؤزر . والآن عزيزي القارئ تعال إلى حديث الفتح الأعظم ، الذي كان حدثا تاريخيا أزال وإلى الأبد ، عبادة الأوثان والأصنام ، وفتح الباب أمام انطلاق الإسلام إلى ربوع الجزيرة العربية كلها ، ومن ثم إلى خارج نطاق الجزيرة العربية . فقد نقضت قريش بنود معاهدة الحديبية {6} ، عندما نصرت بني بكر على بني خزاعة ، الذين كانوا بيت نصح لله ورسوله وللمؤمنين وهم الذين قال فيهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : " خزاعة مني وأنا منهم " . شعرت قريش بالحرج ، وتوقعت أن يغزوها رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن لم يتداركوا الأمر ، فبعث أبا سفيان بن حرب ، ليفاوض الرسول الكريم ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتفق معه على تجديد المعاهدة وتمديدها إن أمكن ذلك ، ولكن أبا سفيان عاد إلى مكة خائبا ، فلقي من المشركين ومن زوجته هند بنت عتبة تعنيفا وتوبيخا ، عندئذ أوعز رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم إلى جميع القبائل بالقدوم إلى مكة ، حتى تكامل العدد الذي يريد ، ليزحف به على مكة ، ثم جمع قادة جيشة من المهاجرين والأنصار ، واستشارهم في غزو مكة ، بعد أن أوضح لهم ، أن قريشا نقضت عهدها وغدرت بحلفائه بني خزاعة ، فوافقوه جميعا ومن بينهم عمر بن الخطاب الذي وقف قائلا : يا رسول الله إن قريشا رأس الكفر ، والله لا تدين العرب بدينك إلا إذا دانت قريش .. ثم انصرف الصحابة يتجهزون حتى يصدر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أمره بالخروج . وفي يوم الاثنين وفي التاسع من رمضان وفي السنة الثامنة للهجرة ، خرج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، على رأس جيش مؤلف من عشرة آلاف مقاتل يريد مكة ، بعد أن جعل كلثوم بن حصين الغفاري أميرا على المدينة المنورة لحفظها وحمايتها ، واستخلف على الصلاة عبد الله ابن أم كلثوم ، وأعطى اللواء الأعظم للزبير بن العوام ، وراية المهاجرين لعمر بن الخطاب ، وراية الخزرج لسعد بن عبادة ، وراية الأوس لأسيد بن حضير ، وتابع مسيره حتى وصل إلى مشارف مكة ، حيث قدم إليه مخرمة ابن نوفل وعمه العباس بن عبد المطلب ، فآمنا وأعلنا إسلامهما ، وتابع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى أن وصل إلى منطقة قريبة من مكة تدعى : مر الظهران ، فعسكر هناك للاستراحة ، بعد أن أشعل المسلمون نيرانا كثيرة ، فأسرع أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ، ليستطلعوا الأمر ، وكان أن هداهم الله تعالى إلى هذا ، ليعلنوا إسلامهم وإيمانهم ، وهنا قال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم قولته المشهورة : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن ألقي سلاحه فهو آمن " . ولهذا انطلق أبو سفيان ن وقبل دخول المسلمين إلى مكة ، وهو مبهور مذعور ، ليحذر قريشا قائلا : يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل داري فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ... فخاف الناس وارتعدوا وتفرقوا إلى دورهم ، وإلى المسجد الحرام ، وإلى دار أبي سفيان ، ودخل جيش الهدى والإيمان ، جيش الرحمة والإنسانية ، إلى مكة مظفرا ن دون أن يلقى أية مقاومة تذكر ، في العشرين من شهر رمضان عام ثمانية هجرية ، يتقدمهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم على ناقته القصواء {7} ، يحف به كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ، حتى بلغ الكعبة ، ثم كبر فكبر المسلمون ، ثم طاف بالبيت سبعا ، ثم انهال على الأصنام المنصوبة حول الكعبة ، وأخذ يكسرها ويحطمها وهو يقول

قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا 8

ثم اتجه إلى المسجد أمام الكعبة وقال مخاطبا أهل مكة : يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، ، أخ كريم وابن أخ كريم فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يكن يغضب لنفسه ، بل كان غصبه وضاه لله تعالى : اذهبوا فأنتم الطلقاء أحرارا آمنون ولا أقول إلا ما قال يوسف لإخوته

لا تثريب (9) عليكم ، اليوم يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين 10

ثم بايع أهل مكة ، رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، على السمع والطاعة لله ولرسوله ، ومن جملتهم معاوية ويزيد ابنا أبي سفيان ، أما النساء فقد بايعن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم

على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن (11) ولا يعصينك في معروف 12


--------------------------------------------------------------------------------


غزوة حنين

أقام النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم في مكة يبعث السرايا لهدم الأصنام ، ونشر الإسلام ، ومنها سرية خالد بن الوليد إلى نخلة {1} لهدم العزى ، وسرية عمرو بن العاص لهدم سواع ، وسرايا أخرى لنشر الإسلام ، لكن أشهر غزوة بعد فتح مكة ، كانت غزوة حنين ، التي وقعت يوم العاشر من شوال في السنة الثامنة . إذ اعتقدت قبيلة هوزان ، وقبيلة ثقيف ، أن محمدا لا يستطيع التغلب على جميع العرب ، ولذلك اختار هؤلاء المشركون القتال على الإسلام ، فحشدوا حشودهم التي بلغت عشرين ألف محارب ونزلوا في وادي حنين ، أما المسلمون فقد بلغ عددهم اثنا عشر ألفا ، والذين توجهوا نحو أرض المعركة ، بقلوب عامرة بالإيمان ، فشن خالد بن الوليد ، رضي الله عنه الغارة على المشركين ، فانهزم بنو هوزان ، إلا أن بعض المسلمين انشغلوا عن المعركة ، فأمطرهم المشركون بوابل من النبل السخي ، فانهزم بعض المسلمين ، وأصيب خالد بن الوليد بجراحات بليغة ، إلا أن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وقف رابط الجأش ، ثابت الجنان {2} ، يفكر بخطة ينقذ فيها المسلمين ، فأمر عمه العباس أن ينادي بالأنصار ، أصحاب بيعة الشجرة يوم الحديبية ، فاجتمع حوله عدد من أبطال الأنصار فتقدمهم نحو المشركين قائلا

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

فدب الرعب في قلوب الأعداء ، بعد أن أنزل الله ملائكته ، يذودون {3} عن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم وعن المسلمين ، حتى ولى المشركون هاربين ، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى

لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين 4

وهكذا دانت القبائل العربية لرسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم بأسرها ، وأعلنت إسلامها فانتهى بذلك عهد الصراع والقتال

حجة الوداع ووفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

في الخامس من ذي القعدة ، من السنة العاشرة للهجرة ، حج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، حجة الوداع ، أو حجة البلاغ ، وفي عرفة ، خطب رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، خطبة الوداع فقال فيها : " أيها الناس ، اسمعوا قولي ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ، أيها الناس ، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم " ثم نزل قوله تعالى

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا 5

ثم عاد رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة ، وفي السنة الحادية عشرة للهجرة ، اشتد المرض على رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فانتقل إلى بيت عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، بعد أن استأذن نساءه ، ثم قال في أبي بكر رضي الله عنه " إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله " فقال أبي بكر بعد أن بكي : بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا ، ثم أوصى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم بالأنصار خيرا ، ولما دنا الأجل ، ونودي إلى الصلاة . قال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : " مروا أبا بكر فليصل بالناس " . وفي الثاني عشر من ربيع الأول انتقل رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى الرفيق الأعلى ، فاضطرب الناس واشتد هولهم {6} ، فخرج عليهم أبو بكر ، رضي الله عنه ن فحمد الله وأثنى عليه قائلا : " أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت " . ثم تلا هذه الآية

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم 7

وهكذا انتهت سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين ، بعد أن أدى الأمانة خير أداء ، عن عمر يبلغ ثلاثا وستين سنة ، فصل الله عليك يا حبيبي يا رسول الله ، وعلى آلك وأصحابك أجمعين


--------------------------------------------------------------------------------


المعجزات الحسية

انشقاق القمر

طلب المشركون من رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يأتيهم بآية أو دليل على صدق دعوته ، وذلك قبل الهجرة إلى المدينة المنورة فطلبوا منه أن يشق القمر فرقتين ، فأعطاه الله تعالى هذه المعجزة ، التي تعتبر من أعظم المعجزات الحسية ، وعندما رأى المشركون المعاندون هذه الآية العظيمة قالوا : لقد سحركم ابن أبي كبشة {1} . وقد ذكر الله تعالى هذه المعجزة في كتابه العزيز إذ قال

اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا أية يعرضوا ويقولون سحر مستمر 2

وقد روى قصة انشقاق القمر ، عدد من الصحابة الكرام منهم : عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود ، فعن ابن مسعود قال : " انشق القمر على عهد رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم شقتين حتى نظروا إليه فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : اشهدوا

تكثير الماء

كانت مكة المكرمة ، كما هو معروف ، أرضا جدباء لا ماء فيها ولا زرع ، ولهذا كان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، يفقدون الماء في كثير من الأوقات . فقد حدث أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، خرج ذات يوم لبعض مخارجه معه ناس من أصحابه فانطلقوا يسيرون ، فحضرت الصلاة {3} فلم يجد القوم ما يتوضئون به فقالوا : يا رسول الله ، ما نجد ما نتوضأ به ، ورأى في وجوه أصحابه كراهية لذلك ، فانطلق رجل من القوم ، فجاء بقدح من ماء يسير ، فأخذ نبي الله ، فنوضأ منه . ثم مد أصابعه الأربع على القدح ، ثم قال : هلموا {4} فتوضؤا ، فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء

تكثير الطعام

ومما يروى في ذلك ، أن أبا هريرة كان يقول : والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر ، فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ، ما سألته إلا ليستتبعني {5} فلم يفعل ، فمر عمر رضي الله عنه فسألته عن آية من كتاب الله ، ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل ، فمر أبو القاسم ، صلى الله عليه وآله وسلم فعرف ما في وجهي ، وما في نفسي فقال : أبا هريرة ، قلت له : لبيك يا رسول الله . فقال : الحق استأذنت فأذن لي ، فوجدت لبنا {6} في القدح ، قال : من أين لكم هذا اللبن ؟ قالوا : أهداه لنا فلان ، قال : أبا هريرة {7} : قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : انطلق إلى أهل الصفة ، فادعهم لي ، قال أبو هريرة : وأهل الصفة أضياف الإسلام ، لم يأووا إلى أهل ولا مال {8} ، إذا جاءت رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، هدية أصاب منها ، وبعث إليهم منها ، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها . ويتابع أبو هريرة رضي الله عنه حديثه فيقول : وأحزنني ذلك {9} ، وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي ، وقال أبو هريرة رضي الله عنه : أنا الرسول {10} فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم وقال ك ما يبقي لي من هذا اللبن ، ولم يكن من طاعة الله ورسوله بد ، فانطلقت فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخذوا مجالسهم من البيت ، ثم قال : أبا هر {11} خذ فأعطهم ، فأخذت القدح فجعلت أعطيهم ، فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروي ، ثم يرد القدح حتى أتيت على أخرهم ، ودفعت إلى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخذ القدح فوضعه في يده وبقي فيه فضلة {12} ، ثم رفع رأسه ونظر إلي وتبسم وقال : أبا هر ، فقلت : لبيك يا رسول الله ، قال : بقيت أنا وأنت ، فقلت : صدقت يا رسول الله ، قال : فاقعد فاشرب ، فقعد أبو هريرة فشرب ، ثم قال : اشرب ، فشرب أبو هريرة فما زال يقول لي : اشرب فأشرب حتى قلت : لا والذي بعثك بالحق ما أجد له في مسلكا ، قال : ناولني القدح ، فرددت إليه القدح ، فشرب من الفضلة

انقياد الشجر

يحدثنا جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه فيقول : سرنا مع النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى نزلنا واديا أفيح {13} ، فذهب رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم يقضي حاجته فاتبعته بإداوة {14} من ماء ، فنظر فلم ير شيئا يستتر به ، وإذا شجرتان بأسفل الوادي فانطلق إلى إحداهما ، فأخذ بغصن من أغصانها ، وقال : " انقادي علي بإذن الله " ، فانقادت معه ... حتى أتي الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها ، وقال : انقادي علي بإذن الله ، فانقادت معه ، حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما ، قال التئما علي بإذن الله فالتأمتا .... وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنا مع رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم في سفر ، فأقبل أعرابي ، فلما دنا منه قال له رسول الله : أين تريد ؟ قال : إلى أهلي ، قال : هل لك إلى خير ؟ قال : ما هو ؟ قال : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، قال : هل من شاهد على ما أقول ؟ قال : هذه الشجرة ، فدعاها رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي على شاطئ الوادي ، فأقبلت تخذ {15} الأرض خدا ، فقامت بين يديه ، فاستشهادها ثلاثا ، فشهدت أنه كما قال ، ثم إنها رجعت إلى منبتها ، ورجع الأعرابي إلى قومه وقال : إن يتبعوني أتيتك بهم ن وإلا رجعت إليك وكنت معك

حنين الجذع

كان النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، قبل صنع المنبر الشريف ، يخطب قائما ، معتمدا على جذع نخل ، فإذا طال وقوفه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أو شعر بتعب ، وضع يده الشريفة على ذلك الجذع . فلما كثر عدد المصلين وضاق المسجد بأهله ، كان كثير من الناس ، لا يرون رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وخاصة من كان يجلس في آخر المسجد ، إضافة إلى تقدم العمر برسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فأشفق عليه الصحابة ، فاقترحوا عليه أن يصنعوا له منبرا ، فصنعوه ، فلما كان يوم الجمعة ، خرج رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، يريد المنبر ، ليخطب عليه ، فلما تجاوز الجذع الذي كان يخطب عنده ، صرخ الجذع صرخا شديدا ، شوقا وحنينا إلى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزل رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم عن المنبر ، فوضع يده الشريفة على الجذع ومسحه ، فهدأ الجذع ، ثم خيره رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بين أن يكون شجرة في الجنة ، وبين أن يعود شجرة مثمرة في الدنيا ن فاختار الجذع أن يكون شجرة في الجنة ، ثم قال عليه وآله الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده لو لم التزمه لبقي يحن إلى قيام الساعة

استجابة جبل أحد

عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، كان على حراء ، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ، فتحركت الصخرة ، واهتز الجبل ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : هدأ ، فما عليك إى نبي أو صديق أو شهيد 16

إخبار الشاة المسمومة

لما انتهت غزوة خيبر ، وانتصر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم على اليهود ، ودخل حصونهم ، وغنم غنائمهم ، تقدمت اليهود وسألت عن أحب الأعضاء إلى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم من الشاة ، فلما أخبرت بذلك ، عمدت إلى الشاة فذبحتها ثم طبختها وسمتها وزادت السم في الذراع ، وقدمتها لرسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما جلس ومعه بعض أصحابه ، وهم بأن يأكل من الذراع ، أخبرته الذراع بأنها مسمومة ، وإن الشاة كلها مسمومة ، فقال لأصحابه : ارفعوا أيديكم ، ثم دعا اليهودية فسألها عن فعلتها . فقالت : أردت الوثوق منك ، فإن كنت نبيا أخبرتك الشاة ، وإن كنت كاذبا أرحت الناس منك ، ثم قالت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله .. وهناك عزيزي القارئ معجزات أخرى كثيرة ، أردنا فقط أن نضرب لك مثلا لتكون على علم بما منح الله عز وجل رسوله محمدا بن عبد الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، من معجزات دالة على صدق نبوته ورسالته

تم بحمد الله
ارجو ان يستفــــــــــــــــــاد منه

----------------------------------------------------------------------------

حواس الامارات
11-20-2007, 02:43 PM
يعطيك الفـــــــ
عاافيهــــــــــــ
اخوويــ
مااقصرررررررتـــــــــــ
تقبل مروريــ
اخووك ابوجمره

الحارثي
11-20-2007, 03:27 PM
إنشاء الله يكون في ميزان حسناتك

تسلم