المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بيان حول العدوان الإسرائيلي على غزة حرسها الله


الجامـح
01-06-2009, 04:13 AM
الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد فإن اليهود قوم غضب الله عليهم ، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، وكتب عليهم الذلة والصغار إلى يوم القيامة بما كسبت أيديهم ؛ فقد عطلوا الله عن صفاته ، ورموه بالنقائص والعظائم ، فقالوا : يد الله مغلولة ، وقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ، وقالوا عزير ابن الله ، ونصبوا العداوة لملائكته ، وكفروا بالمرسلين وكذبوهم وآذوهم في أبدانهم وأعراضهم ، وقتلوهم ورموهم بالفواحش ، وحرفوا كتاب الله وكتموه واشتروا به عرضا قليلا من الدنيا ، واستعاضوا عنه بالسحر والكهانة ، وكانوا ينقضون العهود والمواثيق ، ويتعنتون في أسئلتهم ؛ لأنهم لايقصدون الحق ، ولايطلبون الهداية ، وإنما هو محض الاستكبار والعناد، وقد سلكوا أخبث الطرق في إثارة الفتن ، وتأجيج الحروب ، والسعي في الأرض بالفساد ، والتلذذ بسفك الدماء ، وقتل الأبرياء ، وظلم العباد واستذلالهم ، مع الغدر والخيانة والحسد والنفاق وقسوة القلب وكتم الحق ، بل إنك لاتكاد تجد خلة حرمتها الشرائع ، ونبذها أصحاب العقول ، ونفرت منها الفطر السليمة، إلا وهم أربابها ، المستمسكون بها ، وجماع ذلك كله قوله تعالى : ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) . ولما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنكروا نبوته ، مع أنهم موقنون بأنه النبي الذي بشر الله به في التوراة ، وطابقت صفاته ما فيها ، كما قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) ، ولم يؤمن به إلا قليل منهم . روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود ) وطالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمطالب متعنته ، وسألوه أسئلة مكابرة وعناد ؛ قصدا منهم ؛ لإظهاره عليه الصلاة والسلام بمظهر العاجز كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله : ( وقال الذين لايعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ) ، وفي قوله : ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ) ، وفي قوله : ( يسألونك عن الساعة قل إنما علمها عند ربي ) ، وفي قوله : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) . بل ذهبوا إلى أبعد من هذا ؛ فحاولوا التشكيك في دعوته ، وإبطال رسالته ، وصد الناس عن دينه ، فلما حولت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود : إن كانت القبلة الأولى على حق فلم تركها المسلمون ، وإن كانت على باطل فعبادتهم السابقة باطلة ، ولو كان محمد نبيا ما ترك قبلة الأنبياء قبله ، فرد الله عليهم ذلك فقال جل شأنه : ( سيقول السفهاء من الناس ماولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .وكان الاستهزاء بالإسلام ديدنهم ، والتهكم بشعائره مستطابهم ، والسخرية بالرسول والمؤمنين وإيذاؤهم شعارهم ، وإثارة الفتنة بين المؤمنين والتحريش بينهم مطلبهم ، والقضاء على الرسول غايتهم ، فسحقا لهم ، ولبئس ما كانوا يصنعون .
لقد كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية حروب طاحنة ، فجمع الله قلوبهم الإسلام ، فأصبحوا بنعمته إخوانا، فذكرهم يهودي ماكانوا عليه في الجاهلية ، ومن غلبة الأوس للخزرج يوم بعاث ، حتى قال بعضهم : السلاح السلاح ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وذكرهم بنعمة الله عليهم ، حتى بكوا وعانق بعضهم بعضا ، وأنزل الله في هؤلاء اليهود ( قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات والله شهيد على ما تعملون يا هل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون ) .
وكانوا ـ لعنهم الله ـ يظهرون أنهم يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : السام عليك ، وهو دعاء عليه بالموت . وكانوا يقولون له عليه الصلاة والسلام : ( اسمع غير مسمع ) أي اسمع لا سمعت . دعوا عليه بالموت أو بالصمم ، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه ، هذا ماأرادوه في الباطن ، وفي الظاهر للأسماع أنهم قصدوا تعظيمه ، وهو المذكور في قوله تعالى : ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ) .
وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبني النضير من اليهود عهد ، فلما جاء إلى ديارهم ، انتهزوا الفرصة ، فتآمروا على أن يلقوا عليه الرحى من أعلى فجاءه جبريل فأخبره ، ثم أنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ) . ولما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم خيبر أهديت له شاة فيها سم ، فلما لاك منها مضغة لفظها ، وجمع اليهود وسألهم أجعلتم في هذه الشاة سما ؟ قالوا : نعم ، قال فما حملكم على ذلك ؟ قالوا أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك .
هذا طرف من أحوال اليهود وضلالاتهم ، فما أسفهها من أمة ، وما أشد عداءها لأنبياء الله وأوليائه ، وهذا موقفهم من الإسلام ونبيه المبعوث رحمة للعالمين .
وقد حفظ التأريخ لليهود سجلا مليئا بالإجرام ، ونعوت الخسة والدناءة والفساد ، ولاتزال هذه الأمة في طغيانها ، وإن الذي جرى ويجري على إخواننا المسلمين في غزة من قبل اليهود أعداء ورسوله والمؤمنين بل وأعداء الإنسانية لهو سلسلة متصلة بجرائم اليهود في قديم الدهر وحديثه ، تنبعث من أنفس خبيثة حاقدة ، تأصل فيها الإجرام ، واستطابت سفك الدماء، وضربت بالقيم والعهود عرض الحائط ، ديدنهم المكر والخيانة ، وقلوبهم منطوية على الغل والحسد ، والسعي في الأرض بالفساد ملازم لهم ملازمة الظل لصاحبه ، لايرعوون عن الباطل ، ويتكبرون على الحق ، ولايستحيون من الخلق ، قلوبهم كالحجارة أوأشد قسوة ، وشواهد هذا في التنزيل الحكيم كثيرة جدا .
وما يمارسونه اليوم على أرض فلسطين ، وخصوصا على أرض غزة إنما هو قليل من كثير مما يحملونه من عداء للمسلمين ، وهو عداء ديني محض ، وتدمير المساجد على أهلها أكبر شاهد على هذا ، وصدق الله إذ يقول : ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شهيد) ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) ، ولن ينفكوا عن هذا مااستمسك المسلمون بدينهم كما ذكر الله ذلك في التنزيل ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) ( ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ) .
أيتصور عاقل أن تسباح الحرمات ، وتسفك الدماء ، على أرض قد وهن أهلها بسبب الحصار الذي امتد شهورا، في ليل دامس ، وبرد قارس ، وطعام قليل ، قد عزلوا عن العالم وعزل عنهم ، والتهب سماء المدينة بنيران الصواريخ والقنابل التي يطلقها العدو ـ لعنهم الله وأخزاهم ـ من البر والبحر والجو ، فمن لم تصبه أفزعته ، ومن جاوزته هذه أصابته تلك ، فاكتحلوا السهر ، وتحلسوا الخوف ، وخرت عليهم السقف ، وعم الهلع والفزع ، وافترشوا الأرض والتحفوا السماء ، وأظلمت الدنيا في وجوههم ، وقل الناصر إلا صيحات هنا وهناك ، وكأنهم ليسوا من البشر ، أو أمة من الأمم ، والعدو يجوس خلال الديار ، يتوعد ويتهدد ، ويقتل ويأسر ، ويمثل ويشرد ، فأين المنظمات العالمية التي تزعم الحفاظ على حقوق الإنسان ؟ وأين الدول الكبرى الداعية للحرية ـ زعموا ـ عن هذا الإرهاب الذي لايختلف فيه عاقلان ؟ والمذابح قد اشتد سوقها ، ووسائل الإعلام في العالم تنقل هذه المجازر ، وكأنما تنشر خيالا لاحقيقة له ؛ لهول المصيبة ، وعظم الخطب ، وبشاعة المنظر ، مما لايكاد عاقل أن يصدقه ؛ لولا التواتر بحصوله . فحسبنا الله ونعم الوكيل ولاحول ولاقوة إلا به!
ولاشك أن هذه الجرائم أرقت المسلمين في أصقاع الأرض ، فتألمت قلوبهم ، وذرفت عيونهم ، وتحركت مشاعرهم نحو إخوانهم المستضعفين في غزة من الرجال والنساء والولدان الذين لايستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا ؛ فإنهم عضو في جسد الأمة ، ولبنة في بنيانها ، وعقد الأخوة ولوازمه في ذمة كل مؤمن ( إنما المؤمنون إخوة ) وعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى . رواه الشيخان . وقال عليه الصلاة والسلام : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه ) متفق عليه من حديث أبي موسى رضي الله عنه
ولئن كانت هذه الجرائم مؤلمة للمسلمين فإنه لايجوز أن ينفرط عقدهم ، ولاييأسوا من نصر الله ، ولايهنوا ولايحزنوا وهم الأعلون ، والله يدافع عنهم ، ووعد بنصرهم إن استقاموا على الطريق ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا )
فنوصي إخواننا في فلسطين وغزة بالصبر ، والثبات ، وحسن الظن بالله ، والاعتصام بحبله ، والالتجاء إليه وحده ، والتوكل عليه ، ودعاؤه والإلحاح في ذلك، ومجانبة التفرق والاختلاف ، والنظر الشرعي المصلحي للأمور وعواقبها في السلم والحرب، فهذا ـ بإذن الله ـ سبيل النصر على العدو ، كما وعد الله ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) ، ونذكر إخواننا بقوله تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) ، وقوله : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولايدر بأسنا علن القوم المجرمين ) .
وأنتم أيها المؤمنون في بقاع الأرض عليكم نصرة إخوانكم في غزة ، ومد يد العون لهم ، والعطف عليهم ، ومواساتهم في محنتهم ، كما تقتضيه الإخوة الإيمانية ، وتستدعيه النصوص الشرعية ؛ فإنهم في يومهم هذا أحوج مايكونون إلى إخوانهم المسلمين ، وذاك طريق لمغفرة الذنوب والتجاوز عن السيئات ، وإقالة العثرات ، ورفعة الدرجات ، وحفظ العبد في دينه ونفسه وأهله وماله ( ولايأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، والله غفور رحيم )، وأكثروا من دعاء الله بالنصر والتسديد والحفظ لإخوانكم في تلك البقاع ، والهزيمة والهلاك لليهود وأشياعهم ؛ فإن الدعاء سلاح المؤمن ، وهو ـ مع الصدق والإخلاص ـ أعظم من كل سلاح ، وأمضاه .
نسأل الله جل وعلا أن يثبت إخواننا في غزة وينصرهم على اليهود الظالمين ، , ويجمع كلمتهم الحق ، ويسدد سهامهم وآراءهم، وينزل عليهم سكينة من عنده ، ويرحم موتاهم، ويشفي جرحاهم ، ويسلم أحياءهم ، ويقذف الرعب في قلوب أعدائهم ، ونسأله ـ جل وعلا ـ أن يشدد وطأته على اليهود ،ويجعل بأسهم بينهم شديدا ، ويمزقهم كل ممزق ، إنه على كل شيء قدير .
كما نسأله ـ جل وعلا ـ أن يوفق المسلمين حكاما ومحكومين لنصرة إخوانهم في غزة ، والوقوف معهم ، والانتصار لهم ؛ ابتغاء وجه الله . والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
5 / 1 / 1430 هـ.